منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز )
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز )


 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بعد الغياب الطويل عن المنتدى والخارج عن إرادتنا ..نرجو من جميع الإخوة والأخوات بذل قدر المستطاع من الجهد للرجوع بالمنتدى لسابق نشاطه ... الشكر موصول مسبقا للجميع.

شاطر | 
 

 شرح كلمة البركة وعلاقتها بالمسجد الاقصى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جابر
عضو مجتهد
عضو مجتهد


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 510
تاريخ التسجيل : 24/09/2009
الموقع الموقع : كوكب المريخ

مُساهمةموضوع: شرح كلمة البركة وعلاقتها بالمسجد الاقصى   الأحد 18 أكتوبر 2009 - 2:34

بسم الله الرحمان الرحيم ...المقدمة:
أولاً: دواعي البحث وأهميته:
دعاني للخوض في هذا الموضوع الصراع المحتدم بين المسلمين واليهود؛ لتجلية موقف الإسلام والمسلمين في الصراع الناشئ حول فلسطين، وبالذات بيت المقدس بما فيه المسجد الأقصى المبارك؛ لبيان أحقية المسلمين فيهما، وأن الله سبحانه قد أورثهما لهذه الأمـة، وبيان البركة المبثوثة فيهما، بما تحمل لفظة البركة من معانٍ عديدة، ذُكرت في كتاب الله –سبحانه-، وكثرة ترداد هذه اللفظة ومشتقاتها، حيث بشر الله تعالى في كتابه العزيز بفتح الشام-بما فيها فلسطين- كما جاء في سورة الإسراء قوله سبحانه وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ، وفي أحاديث رسول الله وتبشيره بفتحها، ومن ثم جعلها قبلة المسلمين الأولى، وبأنها ستغدو إسلامية، وستبقى كذلك مهما تداعت عليها الأمم، وأنها موضع صراع متصل بين المسلمين والأمم. ولمَّا لم أقف على دراسة مماثلة، قمت بهذا الجهد المتواضع الذي أرجو أن يكون نافعاً.

ثانياً: أهداف البحث:
أ- التعرف على مكانة القدس وفلسطين في القرآن الكريم والسنة وأثرها في الصراع المذكور.
أ‌. مدى ارتباط المسلمين بالقدس والقضية الفلسطينية، وأن هذا الارتباط هو ارتباطٌ عَقَدي ثابت لا يتبدل ولا يتغير.
ج. التأكيد على أن المسلمين هم ورثة أنبياء الله، بدءاً بسيدنا إبراهيم ومروراً بالأنبياء موسى وعيسى -عليهما السلام-، وصولاً إلى سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: منهجية البحث:
عوَّل البحثُ على المنهج الاستقرائي التحليلي دون إغفال للمنهج التاريخي والتفسيري، فأشار إلى مفهوم لفظة البركة في كتب اللغة والتفاسير، واستعرض عدداً من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحدثت عن هذه اللفظة وبيان مظاهرها ، وعلاقتها بغيرها من الآيات والأحاديث.
رابعاً: المصادر والمراجع:
اتكأ البحث على عدد من المصادر والمراجع الرئيسة شملت: القرآن الكريم، وكتب الحديث والتفاسير، والمعاجم اللغوية، والكتب التاريخية، فضلاً عن المراجع الثانوية الأخرى،الأدبية منها والنقدية التي وضعت في ثبت خاص بها في نهاية البحث.
الدراسة: يتناول هذا البحث مفهوم بركة بيت المقدس وأهميته بالنسبة للعلاقة بين المسلمين وفلسطين من ناحية، وبين المسلمين واليهود من ناحية أخرى، وتأزم العلاقة بينهما بالصراع حوله، وأحقية المسلمين به وبأرض فلسطين. وتناول لفظة البركة في القرآن الكريم، لا سيما ما كان منها مرتبطاً بشأن بيت المقدس، وما توحي به هذه اللفظة.
وعند العودة إلى كتب اللغة نستنطقها عن معنى هذه اللفظة، نجدها تعني فيما تعنيه :
1."الثبات والإقامة، والاجتهاد على الأمر والمواظبة عليه". وعندما تطلق هذه الكلمـة على الأرض، تعني أنَ هذه الصفة ملازمةٌ لها، ثابتةٌ بها على الدوام.
2. "الخير والكثرة": أي أن ذلك مستمر موصولٌ فيها.
3. "الرفعة والتقديس والتنزيه والعظمة والطهر"، وكلها مختصة بجلاله سبحانه وتعالى لا ينازعه فيها أحد، فهو المانح لهذه البركة.
4. إثبات الخير بالأنهار والأشجار والثمار والأنبياء الصالحين.
5. "دوام المطر المنهمر من السماء وإلحاح السحاب بالمطر بقولنا : أبركت السماء أو السَّحاب".
إذن فلن تجدب أرض بيت المقدس كلها جدباً كاملاً شاملاً بفضل الله، وما عُرِفَ عنها أنها
أجدبت أبداً.
6."التفاؤل والتيمُّن"، فهي دائماً أبداً أرض الخير، والأمل والعمل.
7."النَّماء والزيادة والسعادة"، فلا تزال هذه الأرض في نماء وزيادة وإعمار، وسعادة لساكنيها من المسلمين، سعادة لوجودهم بها، وسعادة لتضحيتهم واستشهادهم في سبيل الحفاظ على طُهرها ونقائها، حفظاً لذكر الله فيها.
8." الصدر في كل شيء"، أي أن أرض بيت المقدس لا بد أن تتصدر العالم في البركة الممنوحة لها من الله: أي تعلو كل ما عداها على تنوع هذه البركة.
9."الاتساع والامتداد والشمول"، فهي واسعة ممتدة وشاملة لكل معاني الخلود، والخير والرزق الوفير. وهي سعة باقية لهذه البقعة المباركة التي تشد الرّحال إلى أرضها، لما ورد في قول رسولنا الكريم : " لا تشد الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى".
وقد اتخذه المسلمون قبلتهم الأولى، ونال القدسية من هذا الجانب، فضلاً عن الجوانب الأخرى التي سنشير إليها في موضعها. ويبين السَّمينُ الحَلبي معنى البركة فيقول : "كثرة الخير وتزايده"، وقيل:" إقامة الخير من برك البعير، إذا برك في مكانه وثبت في مبركه. وخصت البركة بثبوت الخير الإلهي والفيض الرَّباني، وأصل ذلك كله من برك البعير وهو صدره". فالبروك يحمل في اللغة دلالة الراحة فقط والطمأنينة، ثم تطور إلى الاصطلاح ليعبر عن لزوم الطمأنينة وثباتها للشيء المبارك؛ بسبب الصفات التي حباها الله – عزوجل- للشيء. وهذه البركة تقتضي الزيادة والنماء، وكثرة الخير، وديمومة هذا الخير. ويمكن أن نخلص بتعريف إصطلاحي للبركة بأنها:" الزيادة في الخير والأجر، وكل ما يحتاجه االعبد في دينه ودنياه؛ بسبب ذات مباركة، أو زمان مبارك، أو مكان مبارك".، وهكذا فالبركة هي:" الكثرة في كل خير".
ومن مشتقاتها : البَراكاء ُ: "أي ساحة القتال والنزال، والثبات والجِدِّ فيه" ، وهذا ما نعرفه من واقع تاريخ هذه البقعة المباركة، مما يقتضي أن تكون ساحة للقتال، مثلما كانت في تاريخها الممتد الطويل. وتبارك الله: تقدَّس وتنزَّه وتعالى وتعاظم، لا تكون هذه الصفة لغيره. قال الراغب :" وكل موضع ذكر فيه لفظ تبارك فهو تنبيه على اختصاصه بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك".فقولنا: تبارك وتعالى: أي تزايد خيره على خلقه.
والتبريك: الدعاء للإنسان أوغيره بالبركة. يقال: برَّكتُ عليه تبريكاً: أي قلت له: بارك الله عليك، وبارَكَ اللهُ الشيءَ وبـارك فيه وعليه: وضع فيه البركة، وطعام بريك: مبارك فيه، والمبارك اسم مفعول وهو ما فيه البركة، وقوله سبحانه :وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ )؛ لما فيه من أصول الخيرات الثابتة، الدنيوية والدينية، وكل ما لا يتحقق فيه زيادة فيحصل في متعلقاته إذا فسرناه بالزيادة. قال ابن عرفة( ):" هو تفاعل من البركة وهو الكثرة والاتساع".ويذكر القرطبي في قوله سبحانه : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلماً له. وقال مجاهد( ): سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء والملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.
والبركات : "السعادة الدائمة" ، نلمح ذلك في تشهُّدنا في الصلاة حين نقول مخاطبين رسولنا الأنوَر ، وكأنه حاضرٌ بيننا: السلامُ عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاتُه ، فهو سلام حضور يشترك فيه القلب واللسان والبصر، لأن من أسعده اللهُ بما أسعد به النبيُ فقد نالَ السعادة الدائمة المباركة. وفي حديث الصلاة على النبي-s-:" وبارك على محمد، وعلى آل محمد" أي أثبت له وأدِم ما أعطيته من التشريف والكرامة.
وبتتبعنا لهذه اللفظة ومشتقاتها، ولكُلٍِ دلالاتها ومعانيها ووقعها وواقعها في كتاب الله سبحانه، نرى أنها قد ذُكِرت اثنتين وثلاثين مرة، موزَّعة على اثنتين وثلاثين سورة من سُوَرِ القرآن الكريم، وفق الترتيب التالي( ) :بارك : مرة واحدة، سورة واحدة. باركنا: ست مرات, خمس سور. بورك: مرة واحدة, سورة واحدة. تبارك: تسع مرات, ثمان سور. بركات: مرتان, سورتان. بركاته: مرة واحدة, سورة واحدة. مبارك: أربع مرات, ثلاث سور. مبارك: أربع مرات, ثلاث سور. مباركا: أربع مرات, أربع سور. مباركة: أربع مرات, أربع سور، مما يوحي بفضل أهمية لها، وكرم ميزة. وإذا وقفنا على المخاطَب فيها أو المعنِيِّ في آياتها على تعدد المعنَييّن المخاطَبين، وجدنا الخطاب في بعضها يُقصد به" الله "، كقوله جل من قائل( ): فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فقد ذكر صاحب التهذيب في تفسيرها:" النار نور الرحمن، والنور هو الله تبارك وتعالى، ومن حولها: موسى والملائكة (لسان العرب، مادة بَرَك)، وقوله( ): أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وغيرها من الآيات التي جاء بها لفظة تبارك( ).
ويُقصد بها الإنسان ، النبي الكريم نـوح عليه السلام ، فـي قولـه سبحانه( ) : ِقيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). وسيدنا عيسى-عليه السلام-: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً. ويقصد بها القرآن الكريم ونعته، كقوله سبحانه( ) :وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ، وغيرها من الآيات الطيبات التي تحدثت بالبركة والتبريك عن القرآن العظيم. ويقصد بها المكان حيث جاء في محكم التنزيل( ): إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ . وكقوله على لسان نبي الرحمة( ):وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ .
والقرآن الكريم يُنوِّه بالبركة الدائمة الموصولة سابقاً ولاحقاً في هذا الربط الخالد، والقِران الأبدي الذي ربطه وَقَرَنَهُ ربُّ العِزَّةِ بين المسجدين الشريفين، المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد الأقصى في القدس المطهرة، والذي يعد ارتباطاً عَقَديّاً ( )، حيث قال عزَّ وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .
ويقول المحدث شهاب الدين، أبو محمود، أحمد بن محمد بن إبراهيم بن مسرور المقدسي الشافعي معقباً( ): " لو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه محققة ومضاعفة، لأن الله تعالى نوه بأمره في كتابه العزيز، وجعله طريق حبيبه- S- لما أراد أن يعرج به إلى السماء، وأثنى عليه نبينا لفضله؛ وليجمع له فضل البيتين وشرفهما، وإلا فإن الطريق من البيت الحرام إلى السماء كالطريق من بيت المقدس إليها؛ ولأنها قبلة الأنبياء ومقصدهم".
ووَجَّه البركة نحو الزمن، بل نحو جزءٍ منه حين قال( ): إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ). وبارك الله الشجرة التي تـنبتُ في الأرض المباركة وهي الزيتونة بقوله( ) : ( يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ )، وقوله( ):فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كما وُجِّهتِ البركةُ إلى الماء الطاهر في قوله الأجل( ): وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ
وقد خص اللهُ -جلَّ شأنه- "بيت المقدس" بسبع آياتٍ فيها " البركة والتبريك " للمكان وإنسانه المؤمن وشجره، وربط بينهما رباطاً لا تنفك عُراه، فحسبنا ست آياتٍ تحدثت عن بركة المكان، وآيتان تحدثتا عن بركة الإنسان الذي يعيش في المكان، ومن ثمَّ تنسحب منه على المكان المقيم فيه( )، وسنوردها، ثم ننظر في كلٍّ منها، نظر المتبصِّر الواعي، المتدبِّر لكلام الله محاولين بيان مظاهر البركة وأنواعها، ليتسنى لنا فهم واقعها فهمـاً دقيقاً من المنظور الذي أومأنا إليه، يكشف عن بعض أسرارها ومعانيها، ويسبُر أغوارها، ويُظهرُ معالمها؛ لنقف على نظرة الإسلام الشمولية لواقعِ هذه الأرض، وحاضرها ومستقبلها، وَمُستقبل أيّ كيان يُفرض أو يُحاولُ فَرْضُه جزئياً أو كُلِّياً بصفة (مؤقتة) عليها وعلى أهلها المسلمين؛ لأن الإسلام هو المخصوص بالعداء والمعنيِّ بإيقاع الظلم عليه
وعلى أهله، ذلك أنها أولاً وأخيراً مباركة، باركها الرب، وثَبَّت فيها بركاته، وما باركه الله وأدام فيه عناصر الخير على تنوعه واختلاف أشكاله لن يقبل بأي حال أن يديم عليه الهوان والظلم والإرتكاس، أو البعد عن البيئة الإسلامية برفع ذكر الله، وخاصة أن جذور هذه الأرض إسلامية صِرف منذ عهد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام( ). وإذا حدث ذلك لفترة وجيزة من عمر الدنيا، ووفق ظروف معينة؛ لأخذ العبرة، ونيل الشهادة، وتعلُّم الصبر، فهو درسٌ مستفاد، وإشارة ربانية لدوام الارتباط به وعدم النأي عن خطه ونهجه، دَرسٌ لهؤلاء الذين حادوا أو مالوا لفترة من عمر الزمن عما أراده الله لهم من هذه البركة، للاستمرار بالمحافظة المغروسة فيها. وإذ يتنادَوْنَ بالعودة والأوبة العاقلة الواعدة لرحاب الله، كما هو شأنهم - ولله الحمد -، فإنه تعالى سيلقاهم مُرَحّباً ومباركاً وغافراً؛ لأنه كتب في سابق علمه، ومحكم كتابه أنه( )( وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ).
نعم ! لقد خصَّ الله " المؤمنين " ولم يُقل " المسلمين "، للفرق الواضح بين الإيمان والإسلام كما بيَّن سبحانه( ):قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
والآيات النّورانية موضوع حديثنا هي :
1. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ

2. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ - -
3. -وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ-- -.
4.وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ -.- -
5. وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً
آمِنِينَ -.- -
6. وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً -.- -
7. اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ-.- -
والآن، عـودٌ علـى بـدء، ففـي قوله تعالى في الآية الأولـى، موضـع الاستشهاد سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً.. نرى أن من حقِّ الآية الكريمة أن يكون الحديثُ عنها في الأخير بالنظر لواقع تسلسلها التاريخي والزمني، الذي تحدث الله فيه عن بركة فلسطين في القرآن المجيد، أرض المعراج، الذي أسرى اللهُ إليها ِبنبيهِ عندما حَزَبَه الأمر، واشتد به الإيذاء، من أرض الحرم المكي إلى أرض المسجد الأقصى.
وفي لفظة " أسرى " دليل على التدخلُ الإلهي المباشَر المقصود. وفي لفظة "الأقصى"، إشارة إلى القصي، وهو دليلٌ على البعد عن أَخيه المسجد الحرام. وإذا كان هذا التكاتف والتقارُب والرَّبطُ على البعد، فهو يعني القرب والارتباط الأزلي والاشتراك في البركة. ولنا أن ندرك أن المباركة والتبريك لم تكن للمسجد ذاته فحسب، فجميع بيوت الله مباركة بحكم اللزوم؛ لأنها رياض الجنة في الأرض، ولكنه تمجيد أفاض به الله من نعمه على هذه المنطقة الكائنة حوالي المسجد وجواره، بركة ممتدة ومناً واسعاً وفضلاً غامراً إكراماً لهذا المسجد، وإكراماً لهذا الرسول الذي عُرِج به من فوق ثراه الطاهر إلى حيث لقيَ ربه .
فكانت الصخرة التي شرُفَت بلمس أقدامِِ رسول الله قطعة طيبة من صخور فلسطين، وكأن البركة بهذا قد سرت في حجارة فلسطين وصخورها وجبالها، فكانت حجارتُها مباركة، وستبقى؛ لأن البركة ممزوجةٌ في ذراتها. وبذا تعددت خيرات وبركات حجارتها التي تستعمل في بناء بيوت الله ، وفي بيوت تقي الناس من الحَرِّ والقَرِّ، إلى استعمالاتها أسلحة ماضية، بيد أطفال الإنتفاضة، لمقاتلة أعداء الله الـذين دنسوا طُهر أرضها بأرجاسهم .
ونستشف من هذه الآية هـذا الربط بين البقعتين المباركتين، رباط أخوة في العقيدة، وميراثاً أزلياً لها، واجتماع بركة وطاعة لله، بتقديره سبحانه، وإلاَّ فما أيسر أن يُعرجَ برسولنا من المسجد الحرام.
هذا الربط القرآني الذي يمكن أن نقول عنه " الحديث " تجاوزاً الذي كشفت عنه الآية في سورة الإسراء، سبقه في التاريخ الإسلامي لهذه البقعة ربط متقدم في الزمن، وهو ارتباط هذه الأرض بأرض اليمن، حيث تم اتصال الإسلام ونقله بوساطة طائر الهدهد المبارك ببركة هذه الأرض، إبَّان ملك سيدنا سليمان -عليه السلام-- -، حيث تـوحدت فلسطين مع اليمن، وقدمت ملكتهم بلقيس، ملكة سبأ إلى سيدنا سليمان مسلمة طائعة لله ، استجابة لدعوته الكريمة- -:-إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ -. واختصت اليمن بالبركة في دعاء النبي –s- في قوله:" اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" -رواه البخاري ولعلنا نتساءل: كيف ذاك وسليمان ملك يهود؟ فنقول : إن نبي الله سليمان كان ملكاً لبني إسرائيل، للمسلمين الموحدين منهم، وقد تحدث القرآن الكريم في العديد من المواضع وبين أنهم كانوا فئتين، فئة أسلمت وآمنت، وفئة ضلت وكذبت، ونصر الله المسلمين منهم على الكافرين وأظهرهم عليهم.
ومن هذا ندرك أن إسراء النبي العربي المسلم، من أرض المسجد الحرام ، إلى أرض المسجد الأقصى، بهذا التدبير الإلهي، دليل على وراثة هذه الأرض وما فيها من مساجد يُقام بها ذكرُ الله، لهذه الأمة الإسلامية- -، بقوله سبحانه- - : -كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ..-، وتحملها مسؤولية الرعاية لدين الله في الأرض، وهكذا ميزت من غيرها من الأمم. فالتميز مشروط بتلك الصفات.
وبمجيء الفتح الإسلامي للأرض المباركة ونشر الإسلام في ربوعها، وبلوغ القائد المسلم أبي عبيدة عامر بن الجراح وصحبه لمدينة القدس رفض بطريركها صفرونيوس تسليم المدينة إلا لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب المبينة أوصافه في كتابهم- -، فكان له ذلك، حيث حضـر رضوان الله عليه علـى عَجَـل، وتـم فتـح المدينة على يديه وبحضوره، وعرفوه بحليته ومركوبه وثيابه. وبعد توقيع العهدة العمرية ، صلى ابن الخطاب-رضي الله عنه- في القدس، وكان يمسح الأوساخ والتراب عن موضع المسجد الأقصى
واستمر الفتح الإسلامي لبلاد الشام كافة، وخاصة بعد أن انتصر المسلمون على الروم في معركة اليرموك في السنة الثالثة عشرة من الهجرة، التي كانت بحق معركة فاصلة قلبت موازين القوى، وودَّعت دولة البغي في بلاد الشام على لسان إمبراطورها هرقل بقوله:" وداعاً يا سوريا وداعاً، وداعاً لا لقاء بعده" و في رواية قال- -: "عليك السلام يا سوريا تسليم مودّعٍ لم يقض منك وطره".
فإذن، كل بلادنا هذه أرض إسراء، وأرض بركة، وأرض رباط في سبيل الله، ومرابع ثغور وحراسة لدين الله، ونعلم أن هذه البركة تشمل أرض الأقصى وما حوله من بقاع تمتد ما بين النهرين النيل والفرات مصداق ذلك أن رسولنا الكريم أُرِيَ في معراجه إلى السموات العلى نهري النيل والفرات ينبعان من الجنة- -، مما يضفي عليهما البركة لهذا السبب.
ومن مظاهر البركة لهذه الأرض الطيبة، مظاهر حسية، وأخرى معنوية، وهي جميعاً تندرج في صُلب العقيدة الإسلامية السمحة وهي :
1.إمامة محمد رسول الله في بيت المقدس لأنبياء الله جميعاً- -، فنالت البركة لذلك، فضلاً عن أنه إشعارٌ واضحٌ من ربِّ العِزَّة أن هذه الأمَّة وارثةُ الرسالةِ الربانيةِ في جميع فصولها ، وتعاقب أزمانها، وأن الله قد باركها بهذا الجمع الحاشد من خيرة خلقه المصطفين.
2. إنَّ هذه الأرض هي التي اصطفاها الله -عزَّ وجل- على الأرض جميعها بأن تكون أرض المحشر والمنشر
3.إنها بوابة السماء من الأرض، صعد من على ثراها رسول الله للقاء ربه، وهي عملية مباركة وتبريك بيّنَة المعالم .
4.إن على أديم هذه الأرض أُقيم ثاني مسجد لعبادة الله وتوحيده، ومربط البراق الذي ركبه النبي ، وفيها باب "حِطة" وغيره من المواقع
5.إن الله -جلَت قدرته- شاء للعديد من أنبيائه أن يولدوا بهذه الأرض، أو يقدموا ويهاجروا إليها، ويبثوا دعوتهم من أرضها وفي أرضها .
6.إن الله –سبحانه وتعالى- كلَم عبداً من عباده هو نبيه موسى – عليه السلام – وقد وقع ذلك فيما حول بيت المقدس, فنال بيت المقدس البركة بهذا, مصداق ذلك قوله عز من قائل- -:-وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً -.
7.وقد أُسبغت البركة عليها لوجود سيدنا زكريا فيها, و بث دعوته منها, ودعائه ربه من فوق ثراها أن يمنحه ذرية طيبة, و تتجلى بركة بيت المقدس في الاستجابة لدعائه, مصداق ذلك قوله سبحانه على لسان زكريا : -هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ-.
8.إن الله -سبحانـه وتعالى- يذكر على لسان نبيه عيسى-عليه السلام- الذي ولد في فلسطيــن دون والد، وإن تك هذه معجزة إلهيةً، لكنها بركة عظمى أُسبغت على تلك البلاد وأهلها. ولمَّا كانت إقامته ومولده في أرضها، ونبوته فيها، وكذا دعوته إلى الله منها، وسياحته في أرضها، ورفعه منها، وإنزاله إليها- -، فإن بركته، وبركة أمّه الصدّيقة، انسحبت على الأرض الطيبة التي درجت أقدامه عليها، وأنزل الله مائدته عليه وعلى الحوارِيّين من فوق أرضها، وبيَّن-عليه السلام- أن الله أوصاهُ بالصلاة والزكاة ما دام حياً ، مشيراً إلى أن البركة تسري في أنفاسه ، ما دام يقومُ بهذه الأمور التعبدية طاعة لله -جل وعلا-.

. إنه سبحانه قد أنجى سيدنا عيسى. عليه السلام. ورفعه إليه من فوق أديمها، حيث يقول سبحانه. .: .بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ..
10. إنَّ عيسى.عليه السلام. سيهبط إلى أرض فلسطين ويقاتل أعداء الله بقيادة الدَّجال الذي وصفه لنا رسولنا بحديثه عنه، وينتصر عليه ويقتله على باب مدينة "الُّلد" المعروفة من أرض فلسطين.. .
11. إن مراقد وقبور العديد من الأنبياء. . –عليهم السلام. قد توزعت في هذه الأرض، فنالتها البركة جراء ذلك ، وإذا علمنا أن مدفن الإنسان من نفس تربة خلقه، تجلىّ لنا مقدار بركة هذه الأرض التي جبلت تربتها بأجساد الخيرة من خلق الله وهم الأنبياء.
12. إن دماء أنبياء الله الذين أزهق اليهود أرواحهم ظلماً، كما يقول سبحانه. .:.ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ .، وقوله سبحانه. .: .فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً .، إنها قد جبلت بثرى هذه الأرض وتعفَّرَت بها جباههم الشريفة فباركها الله تبعاً لذلك، وحفظ أجسادهم الشريفة في باطن ثراها؛ لأن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء كما أخبر النبي. . . . .:"إن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" إكراماً لهم.
13. إنَّ أعظـم اتصال إنساني بالملكوت الأعلى، وأسنى هدية، قد منحت لرسول الله. . .ولأمته من بعده في ليلة الإسراء والمعراج هي " الصلاة "، التي فرضها الله على هذه الأمة لتكون موصولة بخالقها دائماً.
14. إنَّ فـي ثـرى هـذه الأرض تقبـع مـدافـن بعض صحابـة رسـول الله. ..والتابعين ورفاتهم. .، الذين قضوْا في سبيل تطهيرها من الكفر، فكانت دماؤهم الزكية إضافة بركات أُخَر لما لها من بركة لامتزاجها بأرضها.
15. إنَّ هذه الأرض كانت دوماً أرض الحشد والرباط والحراسة في سبيل الله، لذا نلمس أنها تعيش حربا دائمة موصولة ومستعرة مع أعداء الله، ما تكاد تخبو حتى يشتد لهيبها ويتأجـج أوارها، فكلّما عدت عليها عوادي الزمن، هبَّ لنجدتها والذبِّ عنها عصبةٌ طيبةٌ من المسلمين الذين يُفَدُّونها بأنفسهم، باعوا نفوساً تموت، بنفوس لا تموت. يصور هذا أروع تصوير وأدقه قوله.. .: " لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي ظاهرين ، لا يضرهم مَن خالفهم ، حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك ، قيل : وأين هُم يا رسولَ الله ؟ قال: في بيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس".
16. إن الله .سبحانه وتعالى. اصطفى هذه البلاد المباركة بإنزال آيات قرآنية كريمة بشأنها، وخصها مـع مكة المكرمة بسير البراق على أرضها، وربطه في حلقة أحجار مسجدها، وخصَّها رسول الله. . . بأحاديث عديدة، تبيّن مزاياها وفضلها وفضل ساكنيها الرابضين لحمايتها والذبِّ عنها. ..
17. إن الله سبحانه قد أنزل في أرضها قرآناً ليلة الإسراء والمعراج، حيث يقول سبحانه. .: .وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ .. وقول رسول الله . في الحديث الذي يرويه أبو أمامة الباهلي عن النبي. . . . .:"أُنزلت عليَّ النبوة في ثلاثة أمكنة: بمكة والمدينة والشام"، يراد به القدس.
18. إن الله سبحانه قد بارك الأرض وما تنتج من ثمار ورد ذكرها في كتاب الله سبحانه. .: .وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ ..
وقد خص الله تعالى الزيتون بالعديد من الآيات. . وقول رسول الله. . . . .: " نِعمَ السواك الزيتون، من الشجرة المباركـة يطيب الفم ويذهب بالحَفَر .الصفرة تعلو الأسنان.، وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي"، وكان نوح.عليه السلام. قد صنع سفينته من خشب الزيتون، وإبراهيم قد أوقد من زيت الزيتون. .. كما خص النخلة التي ولد تحتها سيدنا عيسى .عليه السلام.، حيث قال –عزوجل.. .: .وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ..
19. إنه سبحانه خصَّها بأنواع من الحجارة لا تتوافر إلاَّ بها ، وقديماً برز نفع حجارتها ، فسيدنا داود .عليه السلام. قتل جالوت بحجر من حجارتها ، يقول سبحانه وتعالى. .: .فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ....، ومن هذا يظهر فزع يهود من حجارة أطفال فلسطين.
هذا طرف من مظاهر البركة الحسية والمعنوية التي أسبغها الله –سبحانه وتعالى. على هذه البقعة المباركة موضع المسجد الأقصى وما حوله .
وفـي الآيات الكريمـة الآنفـة، نلمـح لطيفة مـن لطائف النفحات القدسية، وهي لفظة " باركنا " التي وردت في الآيات الخمس الأخرى، هي أن مودع البركة وواهبها لهذه الأرض هو الله سبحانه، وإن هذه اللفظة " باركنا" عامة غير محددة ولا مقيّدة، مما يفضي إلى أنها بركة واسعة عامة تنسحب على جميع مظاهر الحياة فوق هذه الأرض. وثمة ملمح آخر نلمحه، وهو استعمال صيغة الفعل الماضي في التعبير عن البركة، مما يوحـي بالدوام والاستقامة وامتداد هذه البركة من وجه الدهر لآخره، لقوله جلَّ وعلا. .: .كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ....، وقوله سبحانه. .:.وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .، وغيرها من الآيات التي تومئ بها صيغة الفعل الماضي بظلاله ويهيمن على عموم الظروف والأحوال، فكأن الله .سبحانه وتعالـى. يبشرنا بأنه كما باركها بدايةً، يباركها في قابل الأيام.

وعليه، فإن هذه البركة ستبقى. بإذن الله. تامة وشاملة ونامية في هذه البلاد، وإذا لاحظنا قِلَّتها في بعض الفترات، فهو مما ينذر بهلاك الأمة المعتدية الباغية عليها وعلى أهلها.
وعوداً للآيات الأخرى نستنطقها، فإننا نرى أن هذه الأرض كانت مباركة منذ الأزل، ولكن الله بكرمه الفياض أسبغ عليها، وعلى ما حولها . الشام ومصر.. .، بتجديد البركة وتواصلها زمن النبي محمد. . .. ونرى أن الله قد تحدث عن سيدنا إبراهيم وعن لوطٍ .عليهما السلام. حين أنجاهما من أيدي الكفرة باستقدامهمـا إلى أرض فلسطين، فكانت أرض نجاة لهم وخير. .، حيث قال سبحانه: .وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ .. وثمة ملاحظة أخرى نتوقف عندها، وهي أن بركة هذه الأرض لم تكن مقصورة عليها وعلى سكانها، بل كانت تنعكس خيراً ورفاهاً على الدنيا بكاملها .لِلْعَالَمِينَ.، وهذا من بركاتها، فهي للناس كافة، ولغير المؤمنين استدراج، وللمؤمنين ابتلاء بالخير وبالشر عند وجود الكفار كحالنا اليوم. وفي تفسير قوله تعالى: .وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ .، يقول القرطبي". . :" يريد نجينا إبراهيم ولوطاً إلى أرض الشام وكانا بالعراق، قاله ابن عباس". وقيل:"الأرض المباركة بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضاً كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء، ومنها يتفرق في الأرض. قال أبو العالية: ليس ماءٌ عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض. ونحوه عن كعب الأحبار. ويقول القرطبي. . : " قال ابن عباس عن معنى لفظة باركنا : لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها وعذب مائها وهي معادن الأنبياء ".وقال أبو السعود. .: " أي من العراق إلى الشام، وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بُعثوا فيه، فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية".
وقيل كثرة النعم والخصب الغالب، رُوي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام نزل بفلسطين ولوط عليه الصلاة والسلام بالمؤتفكة، وبينها مسيرة يوم وليلة. وجاء فـي سورة الأنبياء قوله تعالى. .: .وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ . وفيه إشارة واضحة إلى استمرار البركة في ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ويتضح من سياق الآية التي بعدها، أن هؤلاء كانوا أئمة في الخير والهدى والعبادة لقـوله تعالى. .: .وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ..
إن الله جلت قدرته قد أسبغ البركة وأفاضها على أبي الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن.عليه السلام. ، حيث يقول سبحانه على لسانه. .: .إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .. فلم يكن .عليه السلام. يهودياً ولا نصرانياً بنص القرآن الكريم. .:.مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ..
إنه سبحانه قد أورث أرض فلسطين للمؤمنين من بني إسرائيل، بعد زمن سيدنا موسى .عليه السلام. ، حين كان قومه مستضعفين بمصر إبَّان عهد فرعون الجائر الذي نجَّى اللهُ موسى وقومه من ظلمه وعسفه، وأغرقه وجنوده، ونجَّاهُ بجسده جثة هامدة تبقى على مرّ الزمن ،آية ناطقة من آياته ودليلاً على شدة تنكيله. يقول سبحانه متحدثاً عن هلاك فرعون. .: .فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ..
إن الله .جلَّ وعلا. في بيان ما وهب لسيدنا سليمان وبيان فضله عليه، ينمي لعلمنا أنه جعل الريح جنداً من جنده عاصفةً تجري بأمره ووفق مشيئته إلى الأرض التي بارك الله فيها وهي بلاد الشام قاطبةً، وبالأخص مقر حكمه في القدس آنذاك.
إن ملكة سبأ قد منَّ الله .سبحانه وتعالى. عليها بالإيمان في بيت المقدس وقد شهدت مملكة سبأ ازدهاراً ورخاءً، ونشطت التجارة بينها وبين فلسطين والشام. .، مما أدى إلى إنشاء القرى والتجمعات السكانية على امتداد الطريق بين اليمن وفلسطين، وهذا مما يشير إلى قوله تعالى. .: .وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ. فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.. والقرى الظاهرة هي قرى الشام، فإنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة، وعن ابن عباس أنها بيت المقدس. وذكر القرطبي. .: "أنها كانت أربع آلاف وسبعمائة قرية، قد كثر فيها الشجر والثمر والماء وعدد السكان". وقال أبو السعود. .: أي وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فنون النعم بينهم أي بين بلادهم والقرى الشامية التي باركنا فيها للعالمين، قرى ظاهرة متواصلة بعضها مع بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين أهلها، أو راكبة متن الطريق، ظاهرة للسابلة غير بعيدة عن مسالكهم فتخفى علينا، .وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ.: أي جعلناها في نسبة بعضها إلى بعض على مقدار معين يليق بحال أبناء السبيل. قيل: كان الغادي من قرية يقيل في أخرى، والرائح منها يبيت في أخرى، إلى أن يبلغ الشام، وكل ذلك كان تكميلاً لما أوتوا من أنواع النعماء وتوفيراً لها فـي الحضر والسفر.
. سيروا فيها .: أي وقلنا لهم سيروا في تلك القرى، . لياليَ وأياماً.: أي ما شئتم من الليالي والأيام، .آمنين.: من كل ما تكرهونه لا يختلف إلا من فيها باختلاف الأوقات، أو سيروا فيها آمنين وإن تطاولت مدة سفركم .
ولعلنا ندرك أن كثرة هذه القرى وتواصلها تشعر السابلة بالأمان والاطمئنان، فلا شك أن الإيمان يهب الأمان. و نلاحظ من استقرائنا لهذه الآيات، وغيرها من آيات البركة التي تحدثت عن الأنبياء وقصصهم، الإعجاز القرآني المبين الذي يتمثل بصدق إخبار القرآن الكريم عنهم، فلو تناولنا مثلا أخبار القرآن عن العرب البائدة وغيرها مثل سيل العرم الذي أدى إلى انهيار سد مأرب باليمن والذي كان يرجع إليه الفضل في تحويل مدينة مأرب إلى جنة يانعة، أو إخبار القرآن عن فرعون الذي نجاه الله ببدنه ليكون لمن بعده آية، لعلمنا إلى أي حد بلغ الإعجاز في القصص القرآني من بيان وموضوعية، وصدق وواقعية، مما يوحي أن الصدق الواقعي يتصف به القصص القرآني التاريخي وهو أكثر قصص القرآن ظهوراً. ..
وتظهر قراءة البركة في القصص القرآني أن الله –سبحانه. قد وحد وربط بالإسلام القرى والمدائن التي كانت منتشرة وظاهرة بارزة تستقطب الناس للعيش فـي رحابها فيما بين فلسطين مركز حكم سليمان، وبين اليمن، حيث مقر حكم بلقيس التي أسلمت مع سليمان لرب العالمين، مما يشير إلى أن الإسلام منذ بدايته لم يكن متقوقعاً على نفسه، وإنما باشر مَهَمَّتَهُ في الذيوع والانتشار .
إن الله –سبحانه. قد خصَّ ببركته منابت أشجار التين والزيتون على وجه الخصوص، فكانت الزيتونة وقوداً مباركاً على وجه التشبيه والتمثيل، بمعنى أن النور الذي أومأت إليه الآية الكريمة يشع من مصباح يوقد من زيت شجرة الزيتون الذي يبرق ويلمع ويتجلى أنواره وضياؤه وإشراق زيته، وأن موضع هذه الشجرة متوسط، بعيدة عن الظلال، إذا طلعت الشمس أشرقت بضيائها عليها، وإذا غابت أفلت عليها، مع دوام خضرتها.
وقال بعض الصالحين – كما يروي ابن كثير. في تفسيره للآية. .: " إنها لا يهودية ولا نصرانية ". وهذه ولا شك بشرى طيبة على لسان رجل صالح أجرى الله على لسانه هذا النظر، وخاصة أن ذلك لم يَدُرْ بِخَلَد ابن كثير، حيث كان حكم الإسلام ضافياً على الكون. ولعلنا كذلك ندرك أن النور الذي تحدثت عنه الآية يوحي بالحق في السماوات والأرض. وذكر ابن عباس والحسن أنه. .:" مُنوِّر السَّموات والأرض بنجومها وشمسها وقمرها". وقوله سبحانه :" يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ" ، يعني من صفائه، وهذا من أبلغ الوصف. .. و"كاد" تعني المقاربة. .، كما قال جلَّ من قائل:.يَكادُ البَرقُ يَخطَفُ أَبصَارَهُم.. والدُّرِّي عند العرب. .: الشديد الإنارة والإضاءة. فأما تشبيه الزجاجة بالكوكب فهو زيادة في صفة المصباح وإضاءته، ومبالغة في نعت إشراقه وتألقه. وقوله عز وجل :
" يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ " ويقرأ. . . توقد. فمن ذَكَّرَ عنى المصباح، ومن أَنَّثَ عنَى الزجاجة . وقيل في قوله " مُّبَارَكَةٍ ": إنه ليس في الشجر شيء يورق غصنه أوَّله إلى آخره مثلُ الزيتون والرّمان، وأورد صاحب لسان العرب في مادة .برك. قول الشاعر:
بورك الميتُ الغريب كمابو رِك نَضحُ الرُّمَّانِ والزَّيتونِ
وجاء كذلك في قوله تعالى: .لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ.: أي لا يسترها عن الشمس في وقت النهار شيء، فهي شرقية غربية، والشمس تصيبها بالغداة والعشي، فهو أنضر لها وأجود لزيتها. وقد ضرب الله بهذه الصورة مثلا. . للناس بين قلب المؤمن وأعماله وقلب الكافر وأعماله، وكأنه يومئ إلى علاقة الناس بهذه الأرض وارتباطهم بها وفق واقعهم الإيماني.
وهكذا ندرك بجلاء أن البركة تكون للأرض– وهي فلسطين – عندما تحدثت الآيات عن الأرض التي بورك فيها، وتكون للإنسان الذي يدبُ فوق ثراها، كما مرَّ معنا في الآيتين الأخيرتين .
وثمة ملاحظات لا بد من الإشارة إليها ما دام حديثنا مخصصاً عن هذه البركة وعن هذه الأرض، فإن الله قد ربط مواقع الرسالة عموماً بكتابه ربطاً محكماً، ليُعلمنا أن أصل الدين واحد وهو التوحيد، وأن الإسلام واحد وهو الاستسلام المطلق لله وحده، لا شريك له ، فَربط بلاد الشام ببلاد الحجاز أي رسالة التوراة والإنجيل المتمثلة بأنبياء الله من بني إسرائيل، وقبلها رسالة الحنيفية السمحة التي جاء بها أبو الأنبياء إبراهيم.عليه السلام.، التي سأل الله بها أن يجعل من نسل العرب نبياً، فاستجاب الله له، فكانت رسالة محمد هي الخاتمة، وهي الوارثة الشرعية والوحيدة لكل الرسالات، فربطها جميعاً بمواطنها كافة بآية واحدة جامعة بقوله مُقْسِماً جلَّ جلاله: .وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين.، فاجتمع فيها بركة المكان، وبركة السكان، وبركة الزمان. ..
فالتين والزيتون يقصد بهما مواضع منابتها بالشام، وطور سينين: سيناء في البقعة المباركة من الشجرة، والبلد الأمين: مكة المكرمة المحروسة، فبث فيها جميعاً البركة والنماء والازدهار وإشاعة الذكر و أشكال البركة كافة، وها نحن أولاء نرى كيف تتفجر ينابيع الخير ومعالم البركة منها.
وقال .جلَّ ثناؤه. في موضع آخر من التنزيل، مبيِّناً ما تبثه بلاد الشام من خير وتوزعه من بركات تترى، وإطعام متواصل لمن جاورها من الأقطار، دون أن تبخل بما منَّ الله عليها من رزق وخير وبركة منسابة. . :. لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ.
فوثق سبحانه الروابط بين بلاد الحجاز وبلاد الشام بحكم تلكم البركة المتأصلة في هذه الأرض منذ الأزل، فكانت رحلة الشتاء إلى اليمن السعيد، ورحلة الصيف إلى الشام، بلاد الخير والعطاء والخصب .
والخلاصة أن هذه الآيات الخالدة التي حفظها الله ببركته المستعصية على الزوال، آيات بشرى وطمأنينة لنا ما بقينا على عهد الله محافظين، وبأوامره ملتزمين. ولذا، فإن علينا ألاّ نقنط من روح الله ورحمته، بل نستعد للقائه بصالح الأعمال، وجليل الأفعال، وصدق النفوس، وإخلاص النيات، ونشري أنفسنا من الله رخيصة في سبيله. وتبشرنا كذلك أن يهود لـن يتأثلوا في فلسطين، وإن أتيحت لهم الغلبة والعلو في الأرض إلى زمن محدود ، فإن دوام الحال من المحال، مصداق ذلك قول رسولنا الحبيب. . . . . : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ".ولهذا فإن على الأمة الإسلامية تكثيف جهودها في جميع الميادين للعمل على تخليص المسجد الأقصى وأرض الإسراء والمعراج من مغتصبيه.



1.أظهر البحث تعدد أشكال البركة المبثوثة فيها، وأبان مظاهرها الحسية والمعنوية، كأرض وما تقل من إنسان مؤمن وشجر ونبات وطير.
2. أبان البحث أهمية بيت المقدس .بما فيه المسجد الأقصى المبارك. وفلسطين، وأن ارتباط المسلمين بهما ارتباطٌ عقدي؛ لما نزل بهما من قرآن كريم، ولما ورد بشأنهما من أحاديث نبوية شريفة، وعلى هذا لا بد أن تبقى قضية فلسطين قضية إسلامية تخص المسلمين جميعاً، مما يفضي إلى عدم التنازل عنها مهما كلف ذلك من تضحيات.
3.إن فلسطين أرض الحضارات والنبوات والرسالات، فهي موطن عدد غفير من الأنبياء مولداً وهجرة ورسالة ومثوىً، ولها في الإسلام مكانة سامقة، أيدتها معجزة النبوة الأزلية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فهي أرض الإسراء والمعراج والقبلة الأولى للمسلمين.
4.يجب ألا تُفصل قضية فلسطين عن القدس، فهما وجهان لحقيقة ثابتة واحدة.
5. أظهر البحث أن الله سبحانه قد وحد وربط بالإسلام اليمن وفلسطين، مما يوحي بأن أرض الإسلام واحدة.
6. كشف البحث أن القدس أرض عربية صِـرف، وأن وجود اليهود بها كان مرتبطاً بالمؤمنين من بني إسرائيل فقط.
7.إن القدس وفلسطين كانتا –وما زالتا. وطناً لشعب فلسطين وعلى مر التاريخ، فجذورهم ممتدة في عمقه الموغل في القدم.
8.إن صلة هذه الأمة بالله دائمة ما دام المسلمون يقيمون الصلاة التي فرضت عليهم ليلة الإسراء والمعراج.
9. إن إرث النبوة الذي اكتسبه المسلمون بإمامة رسولِ الله –.. أنبياءَ الله جميعاً هو أوكد إرث وأوثق حق بأن هذه الأرض هي للمسلمين دون سواهم.
10.إن أرض فلسطين هي أرض إسلامية لجميع مسلمي العالم، وتعد وقفاً إسلامياً لجميع المسلمين منذ أن فتحها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.رضي الله عنه..
11. إن رسول الله. . . قد بشر الأمة الإسلامية بانتصارها على يهود، وأن المسلمين سيهزمونهم كما ورد في الأحاديث المشهورة التي أومأنا إليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
لطفي
إدارة المنتدى


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 835
تاريخ التسجيل : 01/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: شرح كلمة البركة وعلاقتها بالمسجد الاقصى   الأربعاء 21 أكتوبر 2009 - 9:40

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شعاع الامل
الوسام العطاء الفضي
الوسام العطاء الفضي


الجنس : انثى
عدد المساهمات : 1659
تاريخ التسجيل : 28/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: شرح كلمة البركة وعلاقتها بالمسجد الاقصى   الخميس 22 أكتوبر 2009 - 21:13

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
شرح كلمة البركة وعلاقتها بالمسجد الاقصى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز ) :: القسم الإسلامي :: منتدى علوم القرآن-
انتقل الى: