منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز )
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز )


 
الرئيسيةالتسجيلدخول
بعد الغياب الطويل عن المنتدى والخارج عن إرادتنا ..نرجو من جميع الإخوة والأخوات بذل قدر المستطاع من الجهد للرجوع بالمنتدى لسابق نشاطه ... الشكر موصول مسبقا للجميع.

شاطر | 
 

 وصيتي للدكتور عائض القرني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حبيب الجميع
عضو مجتهد
عضو مجتهد


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 28/09/2009

مُساهمةموضوع: وصيتي للدكتور عائض القرني   الإثنين 26 أبريل 2010 - 16:34

الحمد لله، والصلاة والسام على رسول الله، وعلى اله وصحبه أجمعين ، وبعد:

فلا احسن من الوصايا، و لا اجمل من النصائح، خاصة إذا كانت من محب، يمليها الرشد، ويعضدها البرهان، تثومها التجربة، وهذه وصيتي اجتهدت فيها حسب قدرتي، علها أن تصادف قلبا قابلا لها، و أذنا صاغية إليها، فتقع موقعها، و تؤتي أكلها ولو بعد حين.

و الله – سبحانه – أسال أن ينفع بها، و أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، و أن يجعلها من العمل النافع الباقي بعد الموت.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله ومن والاه وبعد:

فهذه رسالة بعنوان ( وصيتي) ،و أول ما أوصى به توحيد الله سبحانه وتعالى فأقول: اشهد أن لا اله إلا الله، و أن محمدا عبده ورسوله، رضيت بالله ربا ، و بالإسلام دينا، وبمحمد صلي الله عليه وسلم رسولا.

ثم اعلم- أيها القارئ الكريم- أننا خلقنا لعبادة الله و طاعته و امتثال أمره واجتناب نواهيه،فليكن أهم ما يهمك مراقبته سبحانه وتعالى و تقواه،ثم لتعلم أن سر الحياة وسر الوجود إنما هو في إفراد الله بالعبودية و اتباع رسوله عليه الصلاة والسلام، والعمل بطاعته، ثم أوصيك بالصلاة – عمود الإسلام- محافظة على أوقاتها، وعلى أدائها في الجماعة،و على تعلم فرائضها وواجباتها وسننها ، و أدائها على اكمل وجه، من حيث الخشوع والتذلل و التضرع لله سبحانه وتعالى، ومراقبته، و تأديتها في أول الوقت جماعة، فان من اعظم علامات المؤمن أن يحافظ على الصف الأول وتكبيرة الإحرام، و ما وجدت أحدا أخل بصلاة الجماعة إلا أصيب بخذلان في طاعته ، و غي في تصرفاته، و انحراف في أموره.

ثم أوصى بكتاب الله عز وجل، هذا الكتاب العظيم المقدس المبارك، أن يتلي على الوجه الذي يليق به، و حبذا لو كان جزءا في اليوم، و هذا الجزء يقرأ بتدبر و بوقوف عند أوامره ونواهيه، و أوصى أن يكون هناك اطلاع على السنة مهما قل، في اليوم حديث أو حديثان أو ثلاثة، و اقترح في الأحكام كتاب ( بلوغ المرام)، و في الأخلاق والآداب والسلوك كتاب (رياض الصالحين) .

و أوصى بان يكون لسان المؤمن رطبا بذكر الله سبحانه وتعالى، مداوما على التهليل، والتكبير، و التحميد، و التسبيح، و الأدعية المأثورة، و الكلمات الشرعية المعلمة من خير الخلق صلي الله عليه وسلم ، و انبه على انه لا يمكن أن يكون الإنسان جديا في حياته ولا عمليا حتى يعيش في حدود يومه، فإذا اصبح فلا ينتظر المساء، و إذا أمسى فلا ينتظر الصباح، و ليجعل له مخططا في اليوم منذ أن يصلي صلاة الفجر، فيبتدئ بالأذكار، ثم ما استطاع من حزبه من الجزء الذي ذكرته، ثم أن كان طالبا فليتهيأ لدراسته، و أن كان موظفا فليتهيأ لأداء عمله على اكمل وجه، و أن كان تاجرا فليطلب الرزق، فان الرسول صلي الله عليه وسلم قال: ( بارك الله لأمتي في بكورها) فاعظم وقت للقراءة و الحفظ و طلب الرزق بعد الفجر، لمن لم يكن ساهرا أو متعبا.

ثم أوصى أن يكون المسلم متوازنا في أموره، لا يطغي جانب من جوانب حياته على جانب آخر، فللوالدين حق عظيم، فرب قبلة على كف والد أسقطت تبعات من الذنوب و الفواحش من الآثام.

فأوصي ببر الوالد والوالدة، و أن يكون العبد خادما لهما طائعا لأوامرهما ، يلتمس رضا الله برضاهم.

و أوصى بحسن الخلق مع المؤمنين، وليعلم أن الله سبحانه من حقه أن يرجي في عباده ، وان يخاف وينفع فيهم، لانهم عياله، فاحب الخلق إلى الله انفعهم إلى عياله، وليلن كلمته، وليبسط وجهه لعباد الله، وليكف عن أخطائهم، يصبر على زلاتهم، ويخالطهم في نفعهم، و يجتنب فضول مبيحاتهم أو ما يخالفون فيه الشرع.

ثم أوصى بان تكون أعمال العبد خالصة لوجه الله، ولا يتم إلا باستحضار النية في كل عمل، و في كل طاعة، و في كل تصرف، فيجدد نيته في كل وقت، وفي كل عام، فإذا أراد أن يقوم بعمل سال نفسه هل هو لله أو لغيره سبحانه وتعالى؟ ، ثم يبدأ بتحديث نفسه بهذا الشعور، وهذا هو المقام الذي فرق بين الأولياء والعصاة، فكم من عمل حولته النية إلى طاعة لله قربة، و كم من طاعة تحولت بسوء النية إلى مخالفة لا يؤجر عليها العبد.

وليعلم العبد انه من تراب، وليتذكر نسبه ومن أين أتي، ولينظر في اصل خلقته و ضعفه ومسكنته وقلة حيلته، و قصور علمه، و محدودية قوته، ثم ليخضع ولينكسر بجبروت الله عز وجل، وليأسف و ليتذكر- إذا غرته نفسه- ذنوبه وتقصيره ومعاصيه.

ثم أوصى بنزع الحسد من القلب بحيث يكون صدر المؤمن سليما، خاليا من الغل، و من الغش، محبا لعباد الله المؤمنين كبيرهم وصغيرهم، ناصحا لهم، شفوقا عليهم، عطوفا بهم، رحيما بالمؤمنين.

و أوصى بحسن مظهر المؤمن، فان الله طيب لا يقبل إلا طيبا، والله جميل يحب الجمال، فليعتن بظاهره كما يعتني بباطنه، و ليكن حسن الثياب، و أن كانت بيضا فهي احسن، وليلبس ما يلبسه الناس، فلا يلبس لباس المترفين الذي يلفت الأنظار إليه ويدعو الأبصار إلى رؤيته، ولا يلبس لباس المبتذلين المترمقين الذي يزري به و بين أقرانه وإخوانه، ويشهر به، فيقال له هذا عابد، أو زاهد، أو متقشف، بل عليه بالوسط الذي يلبسه أوساط المسلمين بحيث لا يلفت النظر إليه، ولا يدعو إلى استغراب، و لا إلى عجب من لباسه، و عليه بالآداب العامة في حياته، و ليكن قدوة في الخير مرتبا منظما، كل شيء عنده بنظام منذ أن يصبح،بتنظيم أوراقه ووضع كل شيء في موضعه، و دقة وقته، واستيقاظه، و نومه، وتناوله للطعام، و قراءته، وممارسة ما باح الله له سبحانه وتعالى، فليكن في نظام، وفي حسن هيئة، و حسن رائحة ، وحسن مظهر، مع الاقتصاد وعدم الإسراف، و ترك التبذير و المخيلة.

و عليه أن يراعي الآداب الدقيقة الشرعية، كطرق الباب عند الاستئذان، فلا يزيد على ثلاث، ولا يقف أمام الباب فيكون نظره إلى البيت بحيث إذا فتح صاحب الدار فاجأه بالنظر، و إذا دخل فليسلم، و ليخلع حذاءه في مكانه الخاص به، و ليدخل بهدوء، وليجلس حيث أجلسه صاحب المنزل، ولا يذكر أعراض الناس ولا يعرض بهم، و لا يكثر من الحديث، و لا يأتي في وقت لا يزار فيه كبعد صلاة العشاء، أو قبل الفجر، أو بعد صلاة الظهر، إلا بإذن صاحب المنزل، و لا يطيل المكث إلا لمصلحة، أو إذا علم من صاحب البيت الأنس، و ليترك فرصة لمن يحاوره بالكلام فلا يستأثر بالمجلس، ولا يمدح نفسه، و يذكر إنجازاته و أعماله، و لا يهون من شان الآخرين، ولا يكثر من الضحك، ولا يسرف في المزاح، وإنما بقدر، و ليحرص أن يكون في المجلس فائدة أما بآية أو حديث ، و ليذكر الناس بذكره سبحانه وتعالى، و بنعمه، و الصلاة على رسوله، ولا ينسي كفارة المجلس، و حبذا إذا رأي في المجلس حديثا غير مناسب أن يغيره بهدوء و برفق، كان يدخل في قصة أو يجر الحديث برفق إلى موضوع مهم، ويحفظ لسانه فلا يتعرض لسلطان ولا عالم ولا داعية ولا كبير ولا صغير إلا بالخير، وليحترس من جلسائه ولا يأمن الناس على دينه أو يستأمنهم عليه، بل يفوض أمره إلى الله عز وجل، و أن يكون قصير الأمل مقتصدا، و يعلم أن الخطوة التي يمشيها ربما لا تتم بخطوة أخرى، و أن الأمر أسرع من ذلك، و أن الموت قد يفاجئه، فليستعد بتوبة، و ليجدد إيمانه دائما، و أن يقضي الديون التي عليه للناس، و يتحلل من الإساءات التي ألحقها بالآخرين، فيطلب العفو إلا في الغيبة فإنها قد تثير عليه وتوغر صدر من اغتابه فليستغفر له ويكفي.

و أوصى بان يكون للمسلم مكتبة فيها من احسن الكتب، من التفسير والحديث والفقه والأدب الراشد و الثقافة الواعية ما يجعلها أنسا له وبديلا طيبا عن كل جليس، فانه علم بالاستقراء والتجربة انه مهما جلست مع إنسان و استأنست به و برحلة أو بنزهة أو بوسيلة من الوسائل، فانك لن تجد أمتع – بعد طاعة الله تعالى – من الكتاب، و خير جليس في الزمان كتاب.

و أوصى بحفظ الوقت حيث يكون للثانية أو الدقيقة ثمن باهظ عند المسلم، فلا يصرفها إلا في طاعة، فان الدقيقة الواحدة قد تسعده وتسكنه بجوار الله سبحانه في جنات الخلد، وتحل رضوان الله عليه فلا يفرط في وقته فهو اعز من الذهب والفضة، و ليكن شحيحا بساعاته و دقائقه و ثوانيه، و ليصرفها في ذكر أو تدبر أو قراءة أو صلاة أو تأمل أو نفع مسلم أو شفاعة أو مباح يعين على طاعة الله، و على المسلم أن يكون له جلسة مع نفسه في اليوم و لو لنصف ساعة أو اكثر أو اقل ، و يعد لمستقبله، و يقدم على ربه، و ينكر علاقته بالناس، فان العزلة فيها من التفكر و اصطياد الخاطر و جلاء الذهن ما الله به عليم.

و أوصى المسلم باعتزال الشر وفضول المباحات، فما بقي إلا حاسد أو شامت أو متلمس لغلطة أو ثقيل أو بغيض أو متربص أو من ينقل الكلام أو أحمق أو متكبر أو سيئ الأدب، و حل ذلك في عزلة، و لكن عزلة نافعة مع القرآن، أو مع دواوين السنة والفنون الأخرى، أو مع الأهل، أو مع الصالحين، و يوجد من الناس من فيهم خير و طاعة وتقوي، يزيدك الجلوس معه إيمانا بالله عز وجل ، و طاعة له، و قربا منه سبحانه وتعالى.

و أوصى بالقيام على أهل البيت من الزوجة و الأبناء والمحافظة على تقواهم، واتقاء الله فيهم، والقيام بالرعاية الشرعية الصحيحة، و الإشراف على تربيتهم، و تخصيص وقت لازم لهم في تناول الطعام و الجلوس والإفادة و النزهة، ولا يغفل عن بيته فان بعض الناس عندهم من الشرود و الانشغال بالفضول وترك الأصول ما يتسبب في فساد عريض في الدنيا و الآخرة، فليخصص وقتا لا بد منه، و ليكن خلوقا مع أهله ضحاكا بساما مزاحا، قريبا منهم مؤنسا لهم، فانهم أحق الناس به، و حق الأهل مقدم على حق الآخرين، و الأقرب فالأقرب، و الاقربون أولي بالمعروف.

و أوصى المسلم أن يتقي الله فيما يقول، فلا يكون عيافا ولا سبابا، ولكن عليه بتطهير لفظه وانتقاء كلماته، ولا يعرف بجماعة ولا جمعية ولا عالم ولا مسئول، ولا داعية ولا كبير ولا صغير، بل يكون مصلحا في كلامه، ملتمسا رضا الله عز وجل في قوله، يشيد بالخصال الحميدة في الناس، و الجوانب المشرقة فيهم، ويتغافل عن زلاتهم و أخطائهم، كما قال الأول:

ليــس الغنـــي بسيــد في قومــه

لكــــن سيــد قومـه المتغــابـــي

و أحذر من ضياع الوقت، والانهماك في المعاصي، و رؤية الأفلام الخليعة، و المشاهد المضرة، و الأغاني الماجنة، و الانهماك في لذائذ النفس ولو كانت مباحة، لان الإسراف فيها يعطل الحقوق، ويمنع الواجبات، و يضعف النفس، و يغضب الرب، و يقتل الوقت، ويذهب المال، وينسف الجاه، ويذل الرقبة، و يرغم الأنف. فالله الله في تقواه سبحانه وتعالى في السر و العلن، فان ذنوب الخلوة يكشفها سبحانه وتعالى للناس ولو بعد حين. ومن اسر سريرة رده الله سبحانه وتعالى إلى تلك السريرة، أن خيرا فخير، و أن شرا فشر.

و ليجتنب المؤمن الكتب الضارة التي فيها الدعوة إلى الكفر والإلحاد، أو التشكيك في الإيمان، أو ضياع الأزمان، أو القصص الواهية الموضوعة المكذوبة،و الغرائب و العجائب التي لا سند لها ولا صحة، وليجتنب كتب الأدب التي أسرفت في الفاحشة و الهوى وذكر الغرام، و الهيام، و المجون، و الإعراض عن طاعة الله، والعشق، و نحو ذلك، فإنها تفسد القلب فسادا عظيما لا يرجي شفاؤه، إلا أن يشاء الله، إذا تاب العبد و أناب وعاد إلى الله. فان حب الغناء وحب الزور و حب الفواحش لا يجتمع مع الإيمان والقرآن في قلب واحد، و المحظوظ من وفقه الله.

و أوصى بقراءة سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام و مراجعتها، و لو بقراءة جزء يسير منها في اليوم، حيث انه القدوة والأسوة الحسنة، فليطالع المسلم أخباره، و غزواته، و هديه في عبادته، و صلاته، و صومه، وحجه، وذكره، و تعامله، ويقظته و نومه، و ليقرأ أحوال أصحابه معه حيث يكتشف أسرار حياة الرسول صلي الله عليه وسلم و دقائقها، وتفصيل عمره، حتى لا تخفي عليه خافية من حياة هذا الرسول العظيم صلي الله عليه وسلم ، لان قراءة السيرة- خاصة من المصادر الموثقة- فيها من زيادة الإيمان، و توضيح الرسالة، و شرح هذا الأصل المتين والنبأ العظيم، الذي ما طرق العالم نبأ اعظم منه و هو مبعثه عليه الصلاة والسلام، و لا يكتفي بالخطوط العريضة في حياته صلي الله عليه وسلم ، بل يدرس حتى أدق الدقائق، و تفاصيل التفاصيل في حياته عليه الصلاة والسلام، ليكون على بصيرة من كيفية نزول الوحي، و كيفية بعثته صلي الله عليه وسلم ، و ما لقي من أعدائه، و ما أمر به، و ما فعلهن و ما اجتنبه، مكتشفا أخلاقه و آدابه و رضاه وغضبه، و حربه و سلمه، و جوده وشجاعته، و مواقفه العظيمة، و أخلاقه الكريمة، و صفاته المستقيمة، فإنها و الله من اعظم الدروس، ومن اجل العبر، لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد.

و ليطالع أحوال أصحابه ويقرأ أخبارهم و صفاتهم الجليلة، و مواقفهم العظيمة في نصرة الدين، وخشيتهم، وزهدهم، وعبادتهم، وتفانيهم في نصرة ربهم، و بذلهم النفس والنفيس في طاعة مولاهم، و مواقفهم المشهودة في المعارك، و دفعهم لدمائهم و تقديم أرواحهم و التضحية برؤوسهم، والصبر على الألم والجوع والسهر والسب و الضرب والجراح و الهجر والتشريد و المعاناة، كل يطالعه بقلب محب لهم، لان الله سيحشره معهم.

و ليجتنب وليحذر كل الحذر من الاستهزاء بما يتعلق بالدين من كتاب ، أو رسل أو سنة، أو أنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو الملائكة، أو شان الآخرة من جنة أو نار، ولا يرفع صوته ولا يعترض ولا يشكك ولا يمزح، بل يكون راغبا فيما عند الله ، مخبتا متأدبا في محراب العظمة، ساكتا ساكنا، وان نطق لا ينطق إلا بخير، معتقدا أن هذه المقامات جليلة عظيمة، تستوجب التقديس والتكريم و التعظيم و الاحترام كل الاحترام.

و علي المسلم أن يتوسط في أموره، فان الدين وسط، و الإسلام وسط بين الملل، و أهل السنة وسط بين الفرق، فانهم بتوفيق الله لهم- أي أهل السنة- وسط بين الروافض والنواصب، ووسط بين المرجئة و الخوارج، ووسط بين الجبرية والقدرية. فهم وسط في الأسماء والصفات، ووسط في المعتقد، ووسط في الوعد والوعيد، ووسط في الحب البغض، ووسط في الولاء والبراء، ووسط في الأخلاق، فيكون كريما لكن يجتنب الإسراف و التبذير كما يجتنب البخل وليكون سخيا جوادا. ووسط في الشجاعة فيكون شجاعا مقداما لكن يجتنب التهور والجبن. ووسط في البسمة فلا ينهمك في الضحك حتى يموت قلبه، ولا يعبس حتى يبغضه إخوانه، فليتوسط في جميع أموره و مسالكه، فان القصد و الوسط اصل عظيم.

و على المسلم أن يهتم بأمر السنن الدقيقة الغالية الثمينة كسنة السواك، وإعفاء اللحية، وقص الشارب، و القيام بخصال الفطرة الأخرى، كتقليم الأظافر، و حلق العانة، و نتف الإبط، و مداومة الطيب، و النوم على طهارة، ولبس الطاهر الجميل، و مداومة أذكار الصباح والمساء، و أذكار المناسبات كدخول المسجد و الخروج منه، و دخول المنزل و الخروج منه، و غيرها من المناسبات، وعليه أن يصبر للناس فلا يفتر من مطالبهم، ولا يسام من خدمتهم، كل ذلك في حدود طاقته، بحيث لا يعطل طاعة اعظم منها، و لا يواجههم بما يكرهون، ولا يتعالى عليهم، ولا يعبس في وجوههم، ولا يترفع بالألفاظ عليهم، ولا يصادر جهودهم، ولا يحرجهم، ولا يكلفهم شططا، بل يكون رحيما رقيقا سهلا لينا قريبا منهم.

وليهتم بطعامه، وليكن وسطا في ذلك، فيأكل الحلال الطيب مقتصدا، مجتنبا الإكثار إلى درجة التخمة، و مجتنبا- كذلك- قتل النفس، بحيث لا يأكل الطيبات أو يكثر من الصيام حتى يضعف جسمه، فلا يؤدي الطاعة على اكمل وجه، أو يجتنب ما أباحه الله من لباس. وليلزم السنة التي هي سفينة نوح، فمن ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك.

و إذا ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام فليصل عليه، و يحترم كلامه،و يوقر حديثه، وليتأدب معه، وعليه أن يترضي عن الصحابة رضوان الله عليهم، و يجتنب النيل منهم، ويدافع عنهم، ويزكيهم كما زكاهم الله، ويعتقد ولايهتم، و انهم خير منا، و أسد طريقا، و احسن نهجا، و ارفع منزلا، وليقدر لهم جهادهم وتضحياتهم وبذلهم في سبيل الله.

و إذا ذكر الأئمة فعليه أن يترحم عليهم، و يعتقد ولايتهم وحفظهم، و لو خالف الواحد منهم، فعليه بالأدب، وليعتصم في كل مسالة بدليل من الكتاب و السنة، فلا يقلد ولا يكون متعصبا للمذاهب، إنما عليه بالدليل إذا كان طالب علم، و ليبحث عن البرهان في الكتاب والسنة، ثم يذهب مع الحق حيثما ذهب في المسائل، سواء كان مع الأحناف أو الحنابلة أو المالكية أو الشوافع، وعليه أن يحسن الظن في الجماعات الإسلامية، ولا يتعرض يسددهم، و يرفق بهم، وينصحهم بالتي هي احسن، ولا يتعرض لهم، و لا يجمع زلاتهم، و لا يفرح بأغلاطهم، ولا يلتمس عثراتهم، فانهم يعملون للإسلام ومن اجل الإسلام، و إذا اخطأ منهم أحد فلا يقره على خطئه، بل يبين لهم الحق أوضح بيان، بأحسن طريقة، و ارجح وسيلة، عليه أن يعيش هموم المسلمين، ويسال عن أخبارهم في مشارق الأرض ومغاربها، و يتأسف و يندم لما حصل لهم، ويحزن لحزنهم، ولا يعيش لنفسه بل يعيش للمسلمين جميعا، و أن يقدم ما يستطيع من دعم من مال، أو جاه، أو دعاء، أو شفاعة، ولا يكون قاصر الهمة، فان بعض الناس يعيش لبيته ولا بنائه و لوظيفته، فليس له همة عالية توصله إلى ما يحبه الله عز وجل، من تذكر هموم المسلمين و ما يمرون به من أزمات، ومن مصاعب، بل إذا سمع بمسلم وقع عليه شر كأنما وقع على نفسه أو ابنه، فهذا من تمام النصح لله ، و لرسوله، ولكتابه، ولائمة المسلمين و عامتهم.

و أوصى المسلم أن يكثر من الاستغفار ليلا ونهارا، بحيث يكون على لسانه أسرع من الهواء واجري من النفس، فان مع الاستغفار كثرة الرزق والذرية الطيبة، و انشراح الصدر، و تفريج الهموم، و زوال الغموم، و تسهيل الحاجات، و حصول المنافع ، وتكفير السيئات، و غفران الذنوب، ورفع الدرجات، و كتابة الحسنات وفي الحديث: ( من اكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب) ، و ليكثر من ( لا حول ولا قوة إلا بالله) خاصة عند اشتداد الأمر، أو حمل الأثقال، أو صعود الجبال المرتفعات، أو ضيق الخاطر، فإنها كنز من كنوز الجنة، وعليه بكلمتين خفيفتين على اللسان، تقيلتين في الميزان، حبيبتين إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أما احسن كلمات الذكر فهي ( لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ، فأوصي أن تقال مائة مرة في اليوم، فليحافظ عليها، ويلزمها، ويداوم على تكرارها حتى يسعد بها، ويموت عليها، ويدخل الجنة بها.

و أحذر من أكل الحرام، فان الكسب الحرام خبيث ،يفسد العبادة و يخل بالطاعة، و يكون مردوده على الصحة عكسيا، من الأمراض و الأوبئة، كما يفسد الأبناء فتخرج تربيتهم معوجة، فان الجسد الذي نبت بالحرام ينشأ فيه القلب خاويا غاويا، فليحرص المسلم على دخله وكسبه ولو قل، وليجتنب الربا، و ما حصل من غش في المعاملات، أو الرشوة ، وما حصل من تزوير وخداع، أو اخذ لمال من غير وجه شرعي صحيح.

و ليحذر المسلم من الذنب العظيم الذي انتشر وهو الغيبة و تقفي الناس بالسب في غيبتهم، فان الغيبة مفاسدها عظيمة، فهي تورث البغضاء و الشحناء، وتذهب الأجر، و تعظم الوزر.

و علي المسلم أن يعيش بين الرجاء والخوف، فلا يحمله الخوف أن يقنط عباد الله من رحمة الله ويؤيسهم من مغفرته و يحملهم على العنت في الدين، و يخوفهم إلى درجة أن يصابوا بالإحباط فيستمر العاصي على عصيانه، فان بعض الناس إذا علم انه يغفر له، و أن الرحمة عنه بعيدة، و أن دخول الجنة مستحيل، ة كذلك لا يركب الناس مركب الرجاء وحده، فيامنهم مكر الله، فيجترئون على ركوب المعاصي و انتهاك المحرمات وجمع السيئات، فان كثيرا من الناس إذا وسع لهم وفتح لهم الباب ومد لهم الحبل ، ظنوا انهم لا يحاسبون ولا يعاقبون فيستمرون على عصيانهم، متمسكين بعموميات من ذكر الرحمة، فينزلونها على أنفسهم. فليكن المسلم وسطا في نفسه و في وصيته لإخوانه بين الخوف من الله والرجاء في رحمته. و إذا حضرت الوفاة فليغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله جل في علاه.

و على المسلم إلا يتحدث للناس إلا بما تدركه عقولهم، فلا يتشدق في كلامه، ولا يتفيهق، ولا يتعمق، ولا يظهر الثقافة في ألفاظه، فان بعض الناس يصاب بالعجب فيدمج ألفاظا عالية مرتفعة على جلسائه، و يأتي بمصطلحات غريبة، و بجمل عجيبة، يقلب بها الألباب، ليقال انه مثقف، و انه مطلع، فبئس المطلب، و بئس هذا المسلك، بل عليه أن يتحدث بما يناسب أفكارهم وما ينفعهم ويفيدهم، و يجتنب الجدل أو الكلام بأمور ضارة، أو التحدث في مسائل لا تنفع، أو النطق بجمل يستحي منها، من الفحش والمجون مما يسلب المروءة، فان مردود هذا وخيم على عقبه، و على نفسه و أدبه، وهو قادح في استقامته وفي رشده وفي وعيه.

و على العبد أن يهتم بالأخلاق الإسلامية الشريفة من إكرام الضيف، و حسن استقباله و خدمته، و القيام عليه، و إكرام الجار، و كف الأذى عنه وستره، و تفقد أحواله، وحفظه في غيبته، و اكرم العلماء و التواضع لهم، و الاستفادة منهم، و تبجيلهم وتوقيرهم و الذب عنهم، و مثل توقير السلطان المقسط العادل و الذب عنه، و عدم تقفيه بكلام لا مصلحة فيه، و مثل رحمة المسكين و البائس، و الفقير، و اليتيم، والمرأة، و السعي في مصالح المسلمين كالشفاعة في الكتابة أو الشفاعة بالمواجهة، أو التوسط في خير بين المتخاصمين حتى لو أدى إلى أن يسهر أو يتعب أو يسافر، فان هذا من الجهاد في سبيل الله، ومن التضحية في مرضاته، ومن العمل الصالح الذي ترجي بركته وبره واجره.

و علي المسلم أن لا يغفل عن الصدقة، فإنها تطفي غضب الرب ولو كانت شربة من ماء أو تمرة، فلا يحتقر من المعروف شيئا، فان الكلمة الطيبة صدقة، و تبسمه في وجه أخيه وذبه عن عرضه صدقة، فليكثر من الصدقة حتى يكثر الله رزقه، و يوسع عليه، ويجعل دخله مباركا، و ليصدق النية لوجه الله عز وجل، لا رياء، ولا سمعة، و ليتصدق على المحتاجين بماله أو بطعامه أو بدقيقه أو بلباسه أو بأي شيء يوصل الخير إليهم، ولا يكن أنانيا بخيلا شحيحا، فيمنع الله عنه الخير، ويخفف عنه منابع الفضل والرزق، ويحرمه بركة العيش، ويسلب عنه الصحة و العافية، فان الجزاء من جنس العمل.

و عليه أن يهتم بأقاربه و أرحامه بزيارتهم، فان القريب له حق، خاصة النساء من الأخوات، والبنات، و العمات، و الخالات، فإنهن ضعيفات، فيصلهن ويبرهن، و يهدي لهن، يسال عن أخبارهن، ويقف معهن، ليصل الله سبحانه وتعالى حبله به، يرحمه يتولاه في الدنيا و الآخرة. و ليجتنب فضول الكلام وفضول الأعمال، كالجلوس في الطرقات، و دخول السوق بلا حاجة، و الوقوف مع الفضوليين، و الذهاب إلى المنتديات التي لا خير فيها، ورؤية المشاهد التي تضيع الوقت وليس فيها مصلحة شرعية، وكذلك السهر الطويل مع العابثين و اللاهين المعرضين، فعليه أن يحرص على النوم مبكرا، و أن يغتنم آخر الليل ولو بركعتين خفيفتين، فانهما خير من الدنيا وما فيها، وليوتر قبل أن ينام إذا علم انه لا يصحو، و لينم على طهارة وعلى ذكر، و على تجديد توبة، و على نية صالحة للخير، و على عفو لجميع المسلمين، متملقا له سبحانه وتعالى، ملحا عليه في الدعاء، فانه لا خير هناك إلا ما سهله الله، ولا شر إلا ما صرفه. و من أراد العز فمن الله، ومن أراد الرزق فمن الله، ومن أراد العلم فمن الله، ومن أراد المغفرة فمن الله، ومن أراد النجاة من النار فمن الله، فكل شيء من الخير لا يطلب إلا منه سبحانه وتعالى، فحقيق بمن هذا هو شانه أن يسترضي و أن يطلب و أن يرجي، و أن يستعان به، و أن يسال في كل حين.

ولا يكن هم المسلم الدنيا، ولا يأسف على شيء ذهب منها، ولا يكن عبدا لها، ولا يشغل فكره بها ليلا ونهارا، ولا يفرح بها إذا كثرت، ولا يندم عليها إذا ولت، ولا يكن هدفه و غاية همه ومنشوده وقضيته الكبرى بيتا يسكنه، أو سيارة يركبها، أو حديقة يتنزه فيها، أو مالا يجمعه، فان الدنيا أهون على الله من جناح بعوضة، و ما صرف الصالحين عن الخير إلا هي، و ما فتك بالأبرار إلا هي، وما قطع الأرحام إلا هي، وما سفك الدماء إلا هي، فويل لها و لمحبيها وعابديها.

دار متـي مــا أضــحكت في يومــها

أبكـت غـــدا قبـــحا لهـا مــن دار

و على المسلم أن يتفكر في القرون الغابرة، و الأجيال التي سبقت، والأمم التي خلت، ينظر في مصارعهم و يتفكر أين اصبحوا وكيف صاروا إلى القبور، تاركين الدور والقصور؟ ، و ليتفكر كم كانوا فيه من ملذات، ومن رفعة وعز، ومن بهجة وسلطان وهيلمان، ثم تركوا ذلك،و فارقوا الأصحاب و الأحباب، وجردوا من الثياب، ووسدوا في التراب، هل تحس منهم أحد أو تسمع لهم ركزا؟ فليطلب العز من الله عز وجل، وليطلب المكانة عنده سبحانه و القرب إليه، وليعلم انه مهما علا منصبه أو ارتفعت وظيفته أو كثر ماله وأبناؤه وحشمه وخدمه، فانه تارك ذلك لا محالة، موليا عن ذلك متخليا عنه في اقرب الأوقات، ذاهبا لاكفانه، متجردا حتى من ابسط شيء، من ساعته، من ثوبه، من غترته، من سواكه:(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ )(الأنعام: 94) فيا لها و الله من وقفة تستوجب منا التفكير مليا. ومن طالع التاريخ وجد العجاب حتى من الخلفاء والملوك، فانك لو طالعت دولة بني أمية وبني العباس، و رأيت كيف سلبوا الملك، فمنهم من قتل، ومنهم من نشر، ومنهم من نحر، ومنهم من حبس، ومنهم من سلمت عيناه، ومنهم من قطع في مجلسه، ومنهم من اغتيل خلسة، ومنهم من خلع، ومنهم من عزل، ومنهم من ضرب ضربا مبرحا، ومنهم من جلد جلدا عظيما، كل ذلك وجيل يأتي بعد جيل، فلا قرار ولا راحة ولا أمن إلا في جنات النعيم، كما قال احمد لابنه عبد الله لما سأله: متى يرتاح المؤمن يا أبتاه؟ قال : لا راحة له حتى يضع رجله في الجنة.

فهذا الصحيح عند أهل العقول والعارفين بالله عز وجل، فدار كتب الله عليها الشقاء و المرض على أهلها، و الفرقة، والقتال، والحروب، وانزل فيها الهموم و الغموم، و الأحزان، و الجوع، و الظمأ، و النصب، و السلب، و النهب، و الوسق، و التعب، دار هذا وصفها لا تستحق الاهتمام، بل على العبد أن يزهد بما فيها ويكتفي منها بالقليل كما قال صلي الله عليه وسلم : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، و كان بن عمر يقول : ( إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح)، كما يروي عنه في الحديث، كما قال: ( كف عنك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك)، ( ازهد في الدنيا يحبك الله، و ازهد فيما عند الناس يحبك الناس).

وعلى المسلم أن ينظر إلى الجانب الذي يجيده ويحسنه و يتعبد الله به، فان الإنسان له طاقات محدودة ومواهب معينة لا يمكن أن يحوي كل شيء، فما فتح الله عليه فيه فليعبد الله به بعد أداء الفرائض، فان فتح عليه بالفتيا فليشتغل بذلك و ليحقق الفتوى، و ليسال عنها، وليراجع كتبها، وليسال أهل العلم. وإن فتح عليه بالوعظ فليتمكن من ذلك، و ليدرس أساليبه، و مواطن التأثير، و يتخصص في هذا الباب.

و إن فتح عليه بعبادة خاصة من التلاوة فليكثر من تلاوة القرآن وليستنبط منه، ويتفقه في معانيه.

و إن فتح عليه في الرزق فلينفق وليجود النفقة، وليقصد بها وجه الله، وليلتمس المساكين.

و إن فتح عليه في الإصلاح بين الناس فليسع بذلك ويخصص لهم جزءا من يومه، ولا يكل ولا يمل من هذا الباب، لأنه باب إيصال إلى جنات النعيم.

و إن فتح عليه بالجهاد بحيث رزقه الله جسما قويا وصحة وعافية فليحدث نفسه دائما بالغزو وليتهيأ له ويستعد، فانه من اعظم الأعمال، و لينظر إلى أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، فقد احسن كل في بابه، فتجد المجاهد منهم قدم دمه في سبيل الله، متلذذا بالنكايات و النكبات التي وقعت له، مقدما رأسه، جوادا بنفسه وماله. وتجد المقرئ قضي عمره في تعليم كتاب الله عز وجل، والعمل به، ودراسته و الدعوة إليه، وتجد المحدث منهم حافظا لكلام الرسول ، ضابطا لألفاظه، متسننا به. وتجد المفتي منهم يفصل في القضايا ويبذل الدليل والبرهان بعقل راجح. وتجد الواعظ منهم مبشرا ومنذرا، يدعو إلى طاعة الله عز وجل وتقواه، محذرا من معصيته سبحانه، وتجد المنفق منهم قد دفع أمواله في سبيل الله وهو منشرح الصدر فرحا بذلك مسرورا، فرضوان الله عليهم واحسن عاقبتنا، و جمعنا بهم في جنات النعيم.

و على المسلم أن ينسي ما مضي له من الأزمات والنكبات و الماسي فيدفن الماضي ليسعد بالحاضر ويستعد للمستقبل، فما مضي فات، فليطهر ما مضي بتوبة، و ليتخلص من ماضيه فلا يكون أسيرا له، بل عليه أن ينطلق مجددا لحياته، يعيش في حدود يومه، مقبلا على ربه، متفائلا، كما كان رسوله ومعلمه صلي الله عليه وسلم منشرح الصدر ذا همة عالية، وذا نفس وثابة، وذا عزيمة ماضية، يعلم أن الله مع عباده المؤمنين، و أن العزة لله و لرسوله وللمؤمنين، و أن النصر للإسلام، و أن البقاء للحق، و أن الله يتجاوز ويرحم، وهو جواد كريم جل في علاه. ولا يقلق المسلم نفسه بتذكر المستقبل و الاهتمام به، فان بعض الناس يظل في يومه متذكرا غدا مفكرا في أيامه المقبلة، وهو لا يدري هل يعيش أو يموت، فهذا من الإخلال ومن طول الأمل، ولكن ليعش في حدود يومه فيكون مواظبا على الفرائض، محافظا على السنن، قائما بحقوق الله عليه في نفسه و أهله ووالديه وقرابته، متزودا بالعلم النافع ، والمطالعة المفيدة الراشدة، و الثقافة المستقيمة. فانه إذا اصلح يومه غفر له أمسه و صلح غده، ولا يهتم المسلم بكلام الحساد ولا بألفاظ الأنذال مهما خبث هذا اللفظ ، فان اللفظ الخبيث لا يضر إلا صاحبه المتكلم به. أما من تكلم فيه واكثر من نيله فهو دليل على مكانته وعظمته، و على انه اصبح شيئا مذكورا كما قالوا: النقد الموجه إليك يساوي قيمتك.

وليكن عند المسلم قناعة بما أتاه الله فيقنع بصورته، ويقنع بمسكنه، ويقنع بزوجته، ويقنع بسيارته، ويقنع بما عنده من مال ليجد السعادة، فان القناعة مع السعادة. و أما من انفتحت شهيته للدنيا فلن يقنع بما رزقه الله. ولا يكن المسلم مطاردا للدنيا لاهثا وراءها، فان هذا لا يسد جوعته ولا يقنع نفسه، بل يتمدد في أودية الدنيا، ويكون شذر مذر، ويكون نكدا شقيا عبوسا غضوبا ناقما.

وعلى المسلم أن يكون راضيا بقضاء الله عز وجل، مسلما له سبحانه وتعالى، مفوضا الأمر إليه، فان أصابته سراء شكر ، و أن أصابته ضراء صبر، فيصبر على أقدار الله المؤلمة، ويجعل مضضها حلاوة، ويتلذذ بها في سبيل الله، لأنها كفارة ورفعة وطريق إلى رضوان الله عز وجل، فيصبر للمرض ويعتقد انه مكفر للسيئات، وانه مزيل لاثار الخطايا، وانه مطهر للجسم، وانه مدرسة للذكري، و انه الطريق إلى تذكر نعم الله عز وجل، و انه استعداد للقائه.

ويصبر على الفقر، ويختار ما اختار الله له، وليحمد ربه على ما أنزله فيه وما اهبطه إليه، فاختيار الله اعظم من اختياره لنفسه، فربما أن الله صرف عنه الغني و ما فيه من عجب وكبر وتيه، فان الولي حقيقة راض عن ربه سبحانه وتعالى، حامدا لمولاه، شاكرا لخالقه، متعبدا لالهه، معتقدا أن الله عز وجل قد اختار له الخيرة الطيبة، و أن الله عز وجل قد أراد به خيرا و منقلبا سعيدا، فليبشر وليثق في كرم الله و رضوانه ، لان الدنيا أصلا لا تساوي أن يهتم لها، و أن يحزن على فواتها.

ولا تكن غيرة المسلم على إخوانه لما اخذوا من الدنيا، أو لما عندهم من المناصب، أو ما أدركوه من الوظائف، بل يكون غابطا من عنده تقوي، ومن لديه اهتمام بالقرآن وحفظه و إنفاق في سبيل الله،وقيام لليل، فيغبط صاحب العلم و العامل به الداعي إلى الله القائم بأوامره، و يغبط حسن الخلق، ولكنه لا يغبط من آثر دنياه، و عظم جاهه، و ارتفع منصبه، لأنه قد يكون الهلاك في هذا الطريق، فان هلاك فرعون كان في منصبه، وهلاك أبي جهل كان في جاهه، وهلاك أمية بن خلف كان في ماله، فما دام أن الدنيا قد توصل إلى الهلاك فكيف يغبط أصحابها بها، إلا من اتقي الله فشكر على عطاء الله و أدى حقوق الله، فهو مأجور، سواء كان غنيا شاكرا، أو فقيرا صابرا.

و على المسلم أن يتذكر نعم الله عليه فينظر فيما أودعه الله عليه من صحة وعافية، و أمن، و حسن صورة، وقلب، وسمع، وبصر، و إسلام، وكيف أن الله أطعمه الطعام و اسقاه الماء، وسهل له السكن والوظيفة، و السيارة، و الأبناء، و حماه و دافع عنه و أبقاه حتى يتوب، قبل منه الحسنة، ومحا عنه السيئة بالتوبة، وانزل عليه كتابا، و بين له الهدي، و حذره من الضلال، وحببه إلى كثير من المسلمين، و منحه أمورا في التوبة كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وكيف أن الله سبحانه وتعالى سهل له العبادة، وحبب إليه المسجد، وزين له الإيمان في قلبه، و صانه من الكفر، و حماه من الإلحاد، و أكرمه بان جعله مسلما في البلاد الإسلامية، و لم يجعله شيوعيا أو بوذيا أو نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا، وينظر في بقية الناس ممن ابتلوا، فكم سجين مرت عليه سنوات لم ير الشمس، و كم مريض على السرير الأبيض لا يتحرك حركة، وكم من أصيب بسل وسرطان أو أمراض متلفة مهلكة، وكم من هو محبوس في دين، وكم منا من ذهب أولاده، أو ترك بيته، أو افتقر، أو أتته مصيبة، أو حلت به كارثة. وكم من دم مسفوك، وكم من عرض مهتوك، وكم من عقل منهوك، وكم من مال مسلوب، و أنت في أمن وعافية(يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) (النحل:83) .

وليتفكر المسلم في عظمة القرآن، وليعش في عجائبه، ويسمع غرائبه، وينزل في منازله، ويتلذذ بإعجازه، و بروعة بيانه، و جميل خطابه وما فيه من إشارات، و ما فيه من قصص، فهو احسن القصص، و احسن الحديث، و احسن المواعظ. و ليكن له ورد من القرآن، وليأخذ منه مواعظه وخطبه و دروسه وثقافته و أحكامه وإيمانه، وليكن متمثلا به مستنا به متخلقا بأخلاقه، متأدبا بآدابه، وليجعله على طرف لسانه، ويستشهد به، و يضرب به الأمثال، ويقص منه ويصدر الأحكام منه، ويعود إليه ، و يتباكى عند قراءته،ويتحاكم إليه، ويفرح بما فيه من ترغيب، ويخاف بما فيه من ترهيب، ويستأنس بوعظه، ويحذر من وعيده، و يتأنى في تلاوته، ويسعد في قراءته، ويرتاح لسماعه، ويأنس بآياته، ويتلوه كلمة كلمة، و يتدبره سطرا سطرا، و يقف عنده آية آية، و يتامله حرفا حرفا ، فانه و الله عجيب، و انه و الله كنز، و انه والله حياة، و انه والله روح، وانه والله سعادة، و انه والله نجاة(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:44) فليعكف عليه، وليوطن نفسه به، و ليصل قلبه به، وليستغن به عن كل شيء، و ليخل به ويتباكى عند سماع آياته و عبره و عظاته، و لينظر في بديع هذا الكلام وحسن ترتيبه، و جمال نظامه، و دقته و حكمته، و انسياقه، و انسيابه، وروعة هذا الحديث ، و إعجازه، وإيجازه، و براعته، وفخامته، وإشراقه، و أصالته، فليستشف به، و ليهتد بأوامره، وليحذر من نواهيه، و ليعالج أمراض قلبه وجسده بدواء القرآن، و ببلسم هذا الذكر الحكيم، وليأخذ أدبه من القرآن و محاضراته وندواته ودروسه.

و على المسلم أن يتعلم الحديث، فلنه علم- و الله – شريف، و أهل الحديث هم خير الناس، و هم اسلم طريقة، و هم الفرقة الناجية و الطائفة المنصورة، فعليه أن يقرأ الحديث، و يجتنب الضعيف و الواهي، ويطالع دواوين السنة، و يكون له قراءة و اهتمام بسير المحدثين الأبرار كالأئمة الأربعة ومن قبلهم كالحسن البصري، وسفيان، والاوزاعي، و يحي بن معين ، والبخاري، ومسلم و أصحاب السنن، ومن سار على منهجهم كابن تيميه ، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأئمة الإسلام.

و أوصى المسلم والمسلمة بصرف الحب لله عز وجل ، فلا يكون أحد احب إليه من الله ومن رسوله صلي الله عليه وسلم لا ابن ، ولا والد، ولا أم، ولا زوجة، ولا عقار، ولا دار، ولا منصب، ولا وظيفة. و يتعلم هذا الحب و يتدبره ويعيشه و يؤدي العبادة به، حينها تصبح الأعمال الشاقة خفيفة لطيفة، ويسهل الله أمره، ويرفع منزلته. فان ميزة أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم حبه سبحانه وتعالى وعدم إشراكه في مسالة الحب.

و أوصى المسلم والمسلمة بالخوف من الله عز وجل، فلا يكون ارهب ولا أخوف لديهم من الله، وليكن لديهم رقابة في الانتهاء عما نهي الله عنه، يخافون عقابه و أليم عذابه، ويحذرون كل الحذر مما يسخط الله جل وعلا، فان بعض الناس صرف خوفه لغير الله ، فعظم غير الله اعظم من الله(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ)(النساء: 108) . فجدير بالمسلم إلا يفارق الخوف قلبه، و الخوف المحمود ما حجزه عن المعاصي ودله على طريق الطاعة.

و أوصى المسلم والمسلمة برجاء الله عز وجل، و الطمع في فضله، والرغبة فيما عنده، و إحسان الظن به، بأنه ارحم الراحمين، و انه يغفر الذنوب جميعا، و انه يتجاوز عمن تاب و أناب إليه، و انه يقبل التوبة، و انه يعفو عن السيئات، فليطمع العبد فيما عند الله عز وجل، ولا يصاب بالقنوط مهما عصي، ولا الإحباط ولا اليأس من روح الله.

و أوصى المسلم والمسلمة بشكر الله على كل حال في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، يشكر باللسان، حيث يمدح سبحانه ويحمد، ويثني عليه، ويذكر نعمه وحسن بلائه للمسلم، ويشكر بالقلب فيعتقد المسلم و المسلمة اعتقادا كاملا انه ما يجلب النفع إلا الله، و ما يدفع الضر إلا هو سبحانه، وانه يسر الأمور وسهلها، لا اله غيره، ولا رب سواه، و يشكر بالجوارح سبحانه، فلا ينتقل بها إلى معصية، ولا لزاول بها كبيرة، ولتكن مصروفة إلى الطاعة.

و أوصى المسلم والمسلمة بالتوكل على الله، وتفويض الأمر له، والرضا بكفايته و ترك الأمر و التدبير له سبحانه ، ويردد حسبنا الله ونعم الوكيل، فان الله إذا كفاه فلا عبرة في الناس ولا خوف من أحد، فلا يخاف إلا هو سبحانه.

و أوصى المسلم بالبعد عن جلساء السوء و أهل الباطل و أهل اللهو وأرباب المعاصي، ومن يعين على مخالفة أمر الله، فان الجلوس معهم و مؤاكلتهم وزيارتهم ومصاحبتهم ضرر عظيم في الدين، وهو مما يسلب الإيمان، وينهي عن الطاعة، و يحبب المعصية.

و أوصى بالتفقه في الدين، فان من يرد الله به خيرا يفقه في الدين كما جاء في الحديث، فعلي العبد أن يسال عن دينه، و أن يكون حريصا كل الحرص على الاستفسار عما يهمه من أمر عبادته، من صلاته، و صيامه، و زكاته، و حجه، و غير ذلك، فلا يأنف ولا يستكبر ولا يستنكف عن سؤال أهل العلم بالمذاكرة و المراسلة، و كلما رأي عالما أو طالب علم استفاد منه حتى يعبد الله على بصيرة، فان الجهل مرض عظيم، و العلم اعظم ما وصي الله به.

و أوصى بالهمة في الدعوة، بحيث يكون المسلم ذا همة عالية في نشر دعوته ودينه، وعدم الاكتفاء بإصلاح نفسه، بل يقوم بعد إصلاح نفسه بدعوة أهله وقرابته، و جيرانه، و بني مجتمعه، حتى لو جعل في ذهنه إصلاح العالم لما كان صعبا، فانه بقدر همة العبد تكون منزلته و عظمته و مكانته، ومن أراد أن يدعو الناس فعليه أن يبدأ بنفسه أولا، ينهاها عن غيها، و يزجرها عن مخالفة أمر ربها، ويردها عن هواها، فيهذبها بالكتاب والسنة، و يصلح منها الظاهر والباطن، و يكون عاملا بما يقول، ثم يبدأ يتعلم ما يدعو إليه بالدليل الشرعي و النهج الصحيح الذي كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم و أصحابه، ثم يدعو إلى كبار المسائل قبل صغارها، فينبه الناس على الأصل الأصيل وهو الإيمان بالله ورسوله صلي الله عليه وسلم، و توحيده سبحانه و تعالى في العبادة، و توحيده بأسمائه وصفاته وأفعاله جل في علاه، ثم يعلمهم النية والإخلاص في العمل له سبحانه و تعالى، ثم يبدأ معهم مسالة مسالة، و يكون جل وقته في التعلم والتعليم و الدعوة إلى الكتاب والسنة، لا يكل ولا يمل ولا يسام، مرة يذاكر، ومرة يكتب، ومرة يراسل، و مرة يشرح ويعلم، و مرة يفتي، ومرة يخطب، و هكذا حتى تكون حياته لله. فان فنح عليه في مجال آخر فليبذل نفسه ونفيسه، و ليسخر وقته لأداء واجبه في هذا المجال بعد أداء الفرائض.

فان فتح عليه في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليدرس أصول هذا الباب ليكون فقيها فيه بصيرا بما يأمر به.بصيرا بما ينهي عنه، قدوة فيما يقول، ذا خلق كريم وتواضع جم ورفق بالناس، و لين في الخطاب ، ليكون من الأمرين بحق، الناهين بصدق، فيرزق منزلة خلافة النبوة.

و أن فتح عليه في باب الإصلاح بين الناس فليحتسب الأجر بذلك ليجده من افضل الأعمال، و ليدرس الوسائل المجدية في الإصلاح بين الناس كحسن الخطاب، وحسن الدخول إلى القلوب، و حسن المفاوضة والمحادثة، و حسن الحوار، والمجادلة بالتي هي احسن، ثم يبدأ بجمع القلوب و تأليف الأرواح.

و أن فتح عليه في باب الإنفاق فليكسب الحلال، و ليبذل في وجوه الخير، متحريا من يستحقه، قاصدا به وجه الله عز وجل، وليعلم أن الله حافظ ما انفق.

و أن فتح عليه في باب الذكر فليكن له أوراد على شريعة الرسول صلي الله عليه وسلم،معينا نفسه بالذكر بكل ما يستطيع من قوة. و هذا الذكر أمر مشترك بين الجميع، ولكن يوجد من يمهر فيه، و يفتح عليه، و يسهل له حتى يكون لسانه رطبا بذكر الله.

و أن فتح عليه في باب التاريخ فليقصد التاريخ النافع المفيد الذي ينفع الله به، و ليقصد الأبواب التي لم يؤلف فيها بحيث لا يكرر، وليواصل المسالة ويحققها ، ولا يطيل إطالة مملة أو يقصر تقصيرا مخلا، بل عليه التوسط في ذلك مع مراعاة أذواق الناس وأساليبهم، والبعد عن التقعر في الكلام، أو الصعوبة أو التبذل، وليقصد إلى القصص و المشوقات و المرققات و الأبيات النافعات و الجمل المفيدات، مع حسن الديباجة و جمال العرض و روعة الأسلوب.

و أوصى العبد أن يصدق مع الله في إصلاح قلبه، فانه له عمرا واحدا في هذه الحياة، فليجتهد في إصلاحه، بحيث يلقي الله بقلب سليم، فينظفه ويطهره من كل ما يغضب الله عز وجل من الشرك والرياء و العجب والكبر و الحسد والحقد و الغش و الغل ، والخوف من غير الله، و غير ذلك من الصفات الذميمة و الأخلاق السيئة. و ليكن هذا القلب طاهرا مستعدا لاستقبال نور الهداية الربانية، أرضا خصبة لانبات زروع الإيمان و زهور التوحيد، فانه بقدر صفاء قلب العبد يكون عمله صالحا مقبولا عند الله عز وجل كما في الحديث : ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب).

فعليه الاعتناء بهذا القلب كلما اصبح و كلما أمسى ، بدا بالنية فيتعلمها ويدرسها ويتفقه فيها، بحيث لا يقدم على عمل إلا فكر قبل ذلك قليلا فيما يكون هذا العمل، هل يقصد به وجه الله أو غيره، من كلمة أو خطبة، أو إنفاق، أو صلاة، أو زكاة، أو تبرع، أو كتابة، أو مراسلة أو غير ذلك. فان صحت النية ، و اخلص العمل سهل الله سبحانه وتعالى كل أمره بعد ذلك. و حفظه وتولاه و شرح صدره.

و على العبد إلا يكثر من الانشغال و تشتيت القلب في أو دية الدنيا بكثرة العلائق وكثرة الوسائل، فان بعض الناس لا حد لهمته في طلب الدنيا، فله في كل واد مال، و بكل أحد اتصال، و له مشاركات ومساهمات في كل جهة، مع العلم انه ضعيف في جانب الديانة، ضعيف في الدعوة، ضعيف في النوافل، ضعيف في تدبر القرآن، ضعيف في إصلاح قلبه وبيته، ضعيف في مراقبة ربه، ثم تجده قويا ماردا في عالم الدنيا، فلا يشبع قلبه بشيء ولا يملأ روحه شيء، ولا يروي ظمأه شيء، فهو مقبل بنهم شديد على المشاريع، منهمكا فيها، يبحث عن الدرهم والدينار ليلا ونهارا، عبدا له قد ملك عليه سمعه وبصره، و ملك عليه قواه وتفكيره. فهذا هو الخذلان بعينه. فانظر ما أقواه في الدنيا، و ما أضعفه في الآخرة، و ما اكثر سعيه لما ينفي، و ما أعجزه عما يبقي. و هذا علامة الخسران و الهلاك وضعف البصيرة و انطماس الرشد.

و على العبد أن يطالع بقلبه في أسماء الله وصفاته العلا و يتفكر فيها، و يعيشها صفة صفة، متأملا جلال هذا الاسم وجلال هذه الصفة، و ما لها من مكانة، و ما لها من مدلول ، فيبدأ بها اسما اسما، فيسال نفسه ما معني الرحمن؟ و الواحد، والصمد، والبر، والحسيب، و الرقيب، و القوي، والغني، و هكذا فيطالعها مطالعة من عرف أن هذا العلم هو من اجل العلوم عند أهل التحقيق، و من أعظمها عند أهل العرفان وارفعها منزلة، ثم يوقف قلبه أيضا عند المقامات العظيمة من مقامات الإيمان كمقام التوكل، و مقام الرغبة ، ومقام الرهبة، و مقام المحبة، ومقام الخوف، ومقام الرجاء، إلى غير ذلك من المقامات، فيقف عند كل مقام و يتامله ويتدبره، ويسال نفسه: أين هو من هذا المقام؟ و هل وفاه حقه؟ و هل أعطاه ما ينبغي من العبودية؟ و هل الزم نفسه تعبد الله عز وجل بهذا المعني؟ و ما مدلول هذه المقامات؟ و هل هي كلمات تلفظ وجمل تقال أم هي معان لا بد أن تتحقق، و يعتقدها القلب، و تعمل بها الجوارح؟ فإذا وصل إلى هذه الدرجة وحققها و اخذ بحسب ما أعطاه الله عز وجل فهو من المهتدين أن شاء الله.

أما إذا كانت قراءته لهذه المعان هذرمة في عدم وعي و عدم بصيرة وتفقه، فإنها لا تنفعه شيئا. و هذا يدعونا إلى التكرار و الدعوة إلى تدبر القرآن، ففيه خبر الدنيا، و امر الآخرة، تجد فيه إلا سماء الحسنى والصفات العلا و المقامات الحميدة في الدين، و أحوال السعداء و أحوال الأشقياء، و أسب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شعاع الامل
الوسام العطاء الفضي
الوسام العطاء الفضي


الجنس : انثى
عدد المساهمات : 1659
تاريخ التسجيل : 28/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: وصيتي للدكتور عائض القرني   الثلاثاء 27 أبريل 2010 - 18:19

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
Uploaded with ImageShack.us
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حبيب الجميع
عضو مجتهد
عضو مجتهد


عدد المساهمات : 479
تاريخ التسجيل : 28/09/2009

مُساهمةموضوع: رد: وصيتي للدكتور عائض القرني   الجمعة 30 أبريل 2010 - 20:01

شكرا لك الأخت شعاع الأمل علي مرورك العطر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
وصيتي للدكتور عائض القرني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الكلمة الطيبة ( إبداع وتميز ) :: القسم الإسلامي :: واعتبروا يا أولي الألباب-
انتقل الى: